الثلاثاء، 17 يونيو، 2014

المصلحة العامة ..
 قبيل أن أتم سنواتي الست الأولى، كانت لدي رغبة طفل بأن تصبح الشوارع أرضها متساوية، كانت شوارع الأقاليم فى الثمانينيات حيث طفولتي الأولى أخاديد عميقة وتلال عالية وهضاب مستوية، تمر بها فى شارع واحد قصير.
وكانت العجائز يجمعن الطوب وكسر البلاط وكتل الأسمنت الصغيرة، وترصها بعناية أمام أبواب منازلهن، ويحرصن على إعادة تنسيقها يوميا.. تفتق ذهني عن وجوب أن تكون الشوارع مرصوفة بالبلاط لكي تكون سهلة التنظيف وممتعة في السير، بالإضافة للعب الكرة، حيث دمّر طوب الشوارع قدمي.
وقتها كنت أعيش أغلب وقتى بمنزل جدتي، وكان لي رفيق مُقرب يقطُن مع أسرته بنفس الشارع، عمره مثل عمري أو يزيد بعام.. أطلعته على الأمر، ووجوب تبليط الشوارع، حيث لم أكن أعي حينها لفكرة الأسفلت، بلاط كبلاط المنازل، يُكنس أو يُغسل فيعود لامعا.. تسير عليه السيارات فى مشهد كارتونى بامتياز، ووافق رفيقى بعد تردد.
لم أشأ أن أخبر أبي بالفكرة ليقابلني برده المُميز (بس يا أهبل)، وبعدها بدقائق (ده أنت أهبل هَبَل)، ناهيك عن فكرة قبوله لتمويل مشاريع الدولة.
 لفتت نظري أربع بلاطات جمعتها سيدة عجوز بشارع قريب كنا نلهو به. قبل أن تهشنا بعيدا(كل واحد يلعب عند بيته)، وكانت ترص بلاطاتها فى الطين أمام المنزل كوسيلة لتثبيته وإعطاء المنزل بعدًا جماليًا، وكانت هي الأربع بلاطات الكاملة والباقى كسر بلاط وطوب أحمر وكتل غير مُتناسقة.
 لفتُ نظر رفيقى للأمر ووضعت معه خُطة لسرقة البلاطات الأربع كاملة، كنواة لتبليط شارع جدتي والذى يقطنه هو أيضا، وانتظرنا حتى دخلت السيدة العجوز دارها، حيث كانت العادة جلوس العجائز أمام البيوت في الشوارع فترة ما بعد العصر وحتى المغرب أو العشاء.
 وبعدما دخلت العجوز دارها حتى سرقنا الأربع بلاطات الكاملة وتوجهنا بهم لوكرنا بحوش سكن جدتي.
وبدأنا التفاوض، من أين نبدأ عملية التبليط؟ هل من جهة منزل جدتى، أم من جهة منزل أسرته؟ وكانا المنزلان على ناصيتين مختلفتين أحدهما ببداية الشارع والآخر بنهايته. فرأيت أننا يجب أن نبدأ من إحدى زوايا الشارع ونبدأ فى رص البلاطات بعرض الشارع كبداية صحيحة، بينما رأى هو أن نبدأ بوضعها أمام منزلهم حتى لا يطمع فيها الآخرون!
آثرت المصلحة العامة، ووافقته رغم عدم اقتناعى بحجته، ورغم ملاحظتى للطمع فى عينيه، ورغم كونى صاحب الفكرة والمقترح والمخطط للعملية برمتها، ورغم استطاعتي قراءة طمع الأطفال فى سن مبكرة كأشياء أخرى متعددة، ولكنَّها المصلحة العامة.
كان ضميرى يؤنبني من أجل السيدة العجوز، ولكن رفيقى استطاع إقناعي أن السيدة نفسها قد سرقت هذه البلاطات، أو جمعتها بطريقة البحث فى الشوارع، وأنها لم تشتريها أو تدفع فيها مليما.. لكن سيطر على ذهني كوننا لصين مغمورين، ولكن أيضا المصلحة العامة اقتضت ألا نلتفت لمثل تلك التفاهات، فطموحنا عظيم!
وبدأنا فى تثبيت البلاطات الأربع بمونة من التراب والماء، لصنع طين نأمل أنه سيسهم فى لصق البلاطات بالأرض، وكنا قد حفرنا الأرض قليلا لتمهيدها للبلاط المنتظر.
 بعد ساعة تقريبا، أتت السيدة العجوز تبحث فى شوارع المنطقة عن البلاط المسروق فى مشية محنية، ولكون نية رفيقي سيئة وبلغ به الطمع مداه، فقد وجدت السيدة البلاطات أمام منزله، وتعرَّفت عليها بسهولة، ويبدو أن أحدًا قد أبلغها بمواصفات اللصوص، فقد سبته العجوز بكل أبائه وأجداده الملاعين الذين أنجبوا عفريت مثله، واختبأ رفيقي، وقد تجمَّع بعض الكبار واعتذروا لها عن فعلة الطفل الذى أخطأ.. وسحبت العجوز بلاطاتها، التي لم تجف بعد فى مونتها بعد، ووعتها بأحضانها وغادرت نحو بيتها، لتشرع ثانية فى رصها بمكانها الأصلي..
وقد تمكَّن مني الخوف لفضيحة السرقة، وأتذكر أنى اختبأت لفترة ثم ذهبت لأطمئن على عقاب رفيقي من أسرته بسبب الموقف، فوجدته فى أفضل حال، وأبلغنى أن أسرته لا تعاقبه على مثل هذه الأمور التافهة، وبعدها علمتُ أنها لا تعاقبه بالأساس.
 مرت الأعوام وتفرَّقت بنا السُبُل، ونسينا بعضنا البعض وقابلت رفيقى منذ عامين، يناديني من نافذة ميكروباص من مقعد السائق، طنطا يا أستاذ طنطا، فأومأت برأسي شاكرا.. لم يتعرف علىّ، ولكننى ما زلت أتذكره.
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""
نشر بموقع دوت مصر بتاريخ الأحد 15 يونيو 2014م.

صورة من الداخل


من الداخل، المكـان ضيق مربع، بداخله فردين على الأكــثر يُغلقان على نفسهما بابًا مُنخفضًا ضيقًا، يواجه من هو بالداخـل فتحة أو اثنتين صغيرتين يطلق عليهما مجازًا لفظة شباك. 

خانق درجة حرارته مرتفعة دائما، مصهد حتى فى أوقات الشتاء، لا تدخله إلا وتجد حذاءك قد تعفَّر بغبــار ناعم أو خشن ترابي.
عنـد خروجك تجد رأسك وقد تعفَّر بطبقة غبارية مماثلة، دون أن تشعر، تتنفس بعض الغبــار وتشعر بـه يخترق جهازك التنفسي رغم حرصك.
المكـان من الخارج مكسو غالباً بلون أخضر كئيب أصابه الزمن بنوع من الحزن الدائم، تعجز عن تحديد لونه، لكونه يحمل لونا من اختراع الزمن، وملصق على جدرانه الخارجية صور ممزقـة لمرشحي المجالس النيابية في انتخابات مضى عليها عشرة سنوات، أو ملصقات دينية متنوعة الشكل، وإن كانت جميعها في نهايتها تُبشرك بعذاب أليم، أو ملصقات دعائية لشركات إصلاح الثلاجات وتوكيلات تجارية مجهولة تحاول جذب انتباهك نحو منتج مشبوه، أو أرقام تليفونات محمولة يعد أصحابها أبناءك بالتوفيق السديد في الثانوية العامة، ومكتوب عليه أيضا أسماء غير اعتيادية تظنها حروفا لاتينية في البداية، ثم لا تلبث وأن تشعر بها أنها كلمات عربية تحمل أسماء لمواطنين أمثالنا، كـ شناوى الجن وعِبـس الحنيِّن وقاهر الزمالك.
المكـان يبدو خانق كريه، ولكنك بمجرد دخوله ستختلف نظرتك إليه تماماً، وشعرت بأحوال أخرى تماماً غير تلك التي انتابتك في البداية، فتجد أن نظرة المُحيطين لك قد تغيَّرت تماماً. الجميع بالخارج يحاولون نيل رضاك ويتمنون ظهور شبح ابتسامة طفيف على وجهك، يتمنون أن تلمس إحدى يديك الشريفتين أياديهم، وكأنك ولي من أولياء السلف الذين يأتون للصالحين في رؤاهم.
ومع علمه التام بأنَّك حين ستلمس يده سوف تسلبه نقوده، إلا إنه لو قيست سعادته لحظتها، لوجدته أسعد سكان الأرض، ففي لحظة تلامس الأيدي تلك تتوقف به الأرض عن الدوران، ويشعر صاحب اليد الملموسة أنه قد عبر الصراط، وأخذت إحدى قدميه تعرف سبيلها إلى الجنــة، فيتنفس الصعداء ويخرج أنفاسًا تبدو مكتومة داخل صدره منذ ميلاده، ويبقى له انتظار ما تجود به عليه من نعمك.
بالداخل تسترد هيبتك، وتعامل معاملة أكثر من لائقة، وتشعر بانتفاخ ذاتك المهمشة وروحك الممزقة، وتسبق اسمك ألقاب كثيرة غاية فى التوقير والرِفعة.
المقاييس بالداخل تختلف عن العالم المحيط، بالداخل ستجد وإن كنت فقيرًا "قحًا" سيخاطبونك من الخارج بلقب "باشا"، وستجد أنك إن كُنت ماجنًا فاسقًا سيخاطبونك بلقب "حاج"، وإن كنت أُميًا سينادونك بلقب "باشمهندس"، وفي أسوأ الظروف "يا هندزة".
بالداخل يستطيع أي فرد أن يستمتع باهتمام الناس بشأنه لفترة مـا، ومحاولة الجميع معرفة اسمه وتاريخ حياته ومقر سكنه وأفضل أصدقائه، وحالته الاجتماعية أعزب أم متزوج، يحاولون إيجاد وسيط يقربهم إليه، ويوطد علاقتهم بـه، ويصل بهم إلى أعماق قلبه، فتتبدل حالته من مهانة التهميش إلى ضجر الشهرة.
داخل المكان يمكنك توطيد علاقاتك برجال الصف الثانى من الشرطة من مخبرين وصولات وببعض موظفي المجالس المحلية، يأتون إليك كل يوم طالبين ألا تضن عليهم بالجيد دائما وبالكرم فى عطاء غير مجذوذ، فتقدم خدماتك بحماس شديد، فتنال رضاءهم وبعض خدماتهم حين الحاجة، وتنال معها لعنات من بالخارج ودعاءهم عليك سراً وجهراً بما لا يصل لأسماعك.
حول هذا المكان تتجسد الوحدة الوطنية عمليا دون شعارات، ولا يهم أحدهم أن يكون جاره مسلما أم مسيحيا، كما أن دعواتهم تصعد موحدة بقول (يا رب) مخاطبين المولى سبحانه أن ييسر أمورهم سريعا، أو أن يسخط من بالداخل قردا إن عطّل حالهم.
والمكان يشتهر باستجابة الدعاء، وأنه من أقصر الدروب بين الأرض والسماء، وذلك لكونه يجمع خارجه الصالحين المحافظين على أداء صلاة الفجر حاضر، ثم يسرعون إلى بابه فيختمون صلاتهم أمامه.
الخارج.. يحمل كل الأنماط البشرية من حامل الدكتوراة إلى حاملة السلة، ومِنْ مُرتدي الطاقية إلى ذوي الكاب، اجتمعوا لصنع طابور انتظار في البداية، ما يلبثون أن يُخالفوا قانونه ونظامه المفترض، اجتمع الجميع على صنع هذا اللانظام، ليتوجهوا جميعا بأنظار ثاقبة نحو قبلة لم يرتضوها، تمنح لهم لُقيمات سائغة، ثم يغدون إلى أهلهم فرحين بما أتاهم المخبز من خبزه.
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
* نشر بموقع دوت مصر بتاريخ الخميس 12 يونيو 2014م.
الأهم من الوطن!
بشكل شخصى, توقفت عن الانجذاب للشعارات تدريجيا منذ قرابة 10 سنوات, أتذكر فى طفولتى أننى عرفت عبد الناصر واحتل مكانته فى وجدانى, كرمز لكل ما هو نبيل ووطنى وبطولى وخالد, ربما قبل أن يبدأ تشكيل وعيى الدينى, نشأت فى بيت ملئ بصور ناصر, حتى أن "التكايات" التى نستند عليها على الكنبة كانت منسوجة بصوره . قطعت وقتا طويلا حتى بدأ عقلى يستوعب أن عبد الناصر بشر مثلنا يأكل ويشرب ويحب النساء وقد يقتل الخصوم. والدى آمن بالتجربة الناصرية وقطع شوطا طويلا مع الشعارات الرنانة والخطب العصماء لعبد الناصر, فى عصر الراديو والكاريزما, فوجدت أنه من العبث أن أعيد تجربة والدى بالكامل مرة أخرى بنفس أخطائها, فى عصر الإنترنت والفضائيات ..
تجرأ أبى ولعن عبد الناصر لأول مرة فى حياته وسط أقرانه بالإسكندرية يوم 9 يونيو 1967م, حينما علم بحقيقة ما جرى بسيناء. وكان موقفا بمثابة من يكسر تمثالا لإله يعبده, إلا أنه بقيت له مكانته فى قلبه..

رواية "الكرنك" لنجيب محفوظ وحدها كانت كفيلة بجعل أى عاقل يتحسس خطاه فى الانسياق وراء ما يسمى بثورة يناير. ناهيك عن أننى ابن الشارع المصرى, أستطيع قراءة خبثه ومحركاته بما فتح الله علىّ .. لماذا نعيد الأخطاء؟ لماذا نبنى وهما يسمى الثورة, نجعله كصنم له من الحقوق علينا ما يفوق حقوق الوطن؟ 
لماذا منح نجيب محفوظ رجل المخابرات الرهيب اسم "خالد صفوان"؟!
هذه الشخصية خالدة لا تغيب عن الواقع السياسى المصرى مهما ادعينا الطهر. متى ظهر خالد صفوان أو صلاح نصر؟! فى ذروة الشعارات الثورية الطاهرة النبيلة؟ ومتى انتهت الشخصية وعنفها من الوجود؟! مع الهزيمة المروعة فى 67, أى وقت  الحساب العسير.

الاسم "خالد" لأنه دائم التواجد فى المسرح السياسى المصرى, انظر لكل من يتهمك بالفلولية والانهزامية والعبودية, واستشف مكنوناته, لو كان معه سلطة الحكم لعذبك مثلما فعل خالد صفوان ويزيد.
أما صفوان, من الاصطفاء والتميز, والتعالى بنشوة السلطة والاستقرار فيها, وامتلاك مفاتيحها .. ولطبيعة العمل ذاتها سمات تجعل صاحبها يظن الخلود .. 

كم مرة ترددت كلمة الثورة على لسان البطل؟ تصل إلى درجة يتوارى معها اسم "مصر" ويفقد قيمته, بل ويصبح باعثا على السخرية!
ألا تصدق؟ كم مرة خاطبت من حولك واستحلفتهم بكل عزيز وغال أن نتوقف لنحافظ على الوطن, ونجمع شتاتنا, فوجدت هجوما واتهامات وسخرية وهمجية؟!
كم مرة تلقيت ردود ساخرة مستهزئة من نوعية عجلة الانتاج مهوية/ هتعملنا فيها وطنى/ أنت بتصدق كلام أمن دولة؟!
حتى أصبحت إفيهات الإنترنت والبرامج الساخرة هى أكبر رادع ودافع لهم!

كم مرة تركك من سخر منك, ليقوم ويهتف للثورة التى من المفترض أنها قامت من أجل وطن, سخر هو من الحفاظ عليه قبل دقائق؟
والأهم كيف يتقدم وطن يكون للرعاع والحمقى وأطفال الشوارع, أحقية قيادة سياساته, وتتخذ القرارات فيه طبقا لهتافاتهم الموجهة؟
فإذا كانت نكسة يونيو 67 جاءت بتغليب أهل الثقة "وهم يملكون بعض الخبرة" على أهل الكفاءة ..فما بالنا حينما يقود الوطن أهل الكُلة والهاتفون بالأجرة, يحركهم متطرفون ومنتفعون وعملاء. فكيف سيكون شكل النكسة القادمة؟!

فى رواية الكرنك تغلب كلمة "الثورة" كلمة "مصر" حتى يختفى الوطن تماما وراء أشباح "الثورة" "أهداف الثورة". ظل الجميع يحاول تلبية مطالب هذا الوثن الجديد, حتى وجدوا الثورة تسحق آدميتهم وتقاسمهم قوتهم, وتنهى حياتهم, وحياة أبنائهم فى صحراء سيناء!
لست فى حاجة لإعادة كل هذا السيناريو المظلم, بعد نصف قرن, بإضافة حُجّة انتهازية كقميص عثمان, تسمى "دماء الشهداء" لتشكل مع وثنى "الثورة" "وأهداف الثورة" ثالوثا وهميا أسطوريا محصلته صفر عظيم.

ببساطة يمكنك مراجعة خطابات كل من سعى للسلطة بقوة, خاصة التيار الدينى الممتلك للقوة والمال, وتقارن خطابه بخطاب "خالد صفوان" لتدرك أنه بالفعل "خالدا" اصطفى فى موقعه, ولا تتبدل سوى الوجوه والشعارات, وتذكر أنه دائما يتحدث بأطهر الشعارات وأنبلها .
كل ما فعلناه طيلة أعوام ثلاثة, هو محاولة تقليل الخسائر والحفاظ على ما تبقى من أركان مصر, وتجنب نكسة أخرى قادمة سعى إليها بعضنا بإصرار, كانت ستكون موديل 2015 أو "نكسة القرن", لولا جهود المخلصين!
""""""""""""""""""""""""""""""""
* نشر بموقع دوت مصر بتاريخ الأحد 8 يونيو 2014م.
التجربة الإخوانية!إذا أردت رؤية محاكاة مرصودة لما حدث فى مصر خلال الأربعين عام الماضية, وما اصطلح على تسميته بالمد الإسلامى, وما تم تعظيمه خلال أدبيات الإسلاميين باسم "الصحوة الإسلامية" ومشاهدة شرارة بدء التجربة, فعليك بتأمل حملة "هل صليت على الرسول اليوم" والتى انتشرت خلال شهر أبريل بالإسكندرية, فى صورة ملصقات مطبوعة أومكتوبة بخط اليد فوق زجاج السيارات الأجرة وبعض السيارات الخاصة بها. 
اللافت أن الإخوان كما يعتقدون سلفا بأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها, فقد أعادوا محاولة "البنا" بشكل استنساخى, ممثلا فى التوغل بين طبقات المجتمع, باعتبار أن "البنا" هو أولهم وقدوتهم, دون النظر للمتغيرات الجارية, وهو ما يدل على ارتباكهم. وقد كرروا تجربة البنا سابقا فى السبعينيات مستغلين الفرصة جيدا, حينما أتتهم عقب نكسة يونيو, فأوغلوا فى المجتمع بشعارات ظاهرها الدين وباطنها السلطة, وقد استجاب لهم البسطاء وكثيرون ممن يفترض فيهم توافر العقل والمعرفة من المثقفين وأساتذة الجامعات. فتحول كل جدار إلى ساحة لكتابة الآيات والأحاديث والمواعظ, وتحولت السيارات إلى وسيلة تصارع عقائدى بعبارات التوحيد, رد عليه المسيحيون باستحياء بشعار السمكة رمز السيد المسيح كملصق على سياراتهم الخاصة, وتحولت أجزاء من المصالح والدواوين إلى مساجد, وتحولت سيارات النقل العام إلى دعاية متنقلة لأفكارهم وخطبهم عبر شرائط الكاسيت, تحت مسمى الدعوة, وأصبح من يعترض على مثل هذه الإجراءات محل نقد وتشكيك فى عقيدته, ومهددا بالتأليب ضده, فحدثت أكبر عملية "كسر عين" للمجتمع المصرى, تارة بالإيذاء النفسى والمعنوى, وتارة بالتصفية الجسدية, واستمرت التجربة لنهايتها الطبيعية بوصول الإسلاميين إلى قمة السلطة فى مصر فى 2012 عبر بوابة 25 يناير.


وفى لحظة كتلك التى نعيشها وقد انخفضت فيها أسهم الجماعة والإسلاميين بشكل لافت, وأصبح كيانها ككل محل تهديد, أوصلتهم قريحتهم الاستنساخية لتكرار تجربة أولهم حسن البنا بالإسكندرية دون مراعاة لاختلاف الظرف وموقعهم من المجتمع.

فمن ذا الذى لديه الجرأة لرفض الصلاة والتسليم على الرسول "ص"؟ وإذا حدث وبدأ الاعتراض, أو بدأت الدولة ممثلة فى إدارات المرور بوزارة الداخلية فى نزع هذه الملصقات من السيارات, فهنا ننتقل إلى المرحلة التالية وهى المطلوب الوصول إليها. مرحلة تشويه السلطة الحاكمة ولصق فكرة الكفر والبغى بها فى أذهان البسطاء, وقد انتقل الإخوان بالفعل لهذه الفكرة على شبكات الإنترنت, من خلال تداول صور لرجال المرور بالإسكندرية وهم ينزعون الملصقات من السيارات, فيتم تشكيل الوعى الجمعى للشعب, بكون الشرطة والدولة ترفض أن يصلى المواطنون على الرسول! وتتكرر عملية الابتزاز الرخيص مرة أخرى!

وأزعم أن هذه الفكرة هى ترتيب أصيل فى وجدان الجماعة, ففى عام 2005م كتب المفكر البحرينى "د. محمد جابر الأنصارى" مقالا بدورية "عالم الفكر" نشرته الحياة اللندنية فى ثلاث حلقات, تناول فيه تعمد تشويه الدولة الحديثة الوطنية "القُطرية" بضم القاف- معنويا وماديا, فى صورة تسفيه منجزاتها الحديثة وسلطاتها الحاكمة, من أجل خلق حالة يأس تامة من فكرة الاستقرار فى نفسية وعقل المواطن, لكى يصبح مهيأ نفسيا بانتظار المخلِص الذى سياتى لينقذ البلاد, بالتزامن مع استمرار الشحن العقائدى, فكان من الطبيعى أن يكون هذا المخلص من الإخوان وكلاء الدعوة!

وقد أسقط الأنصارى فى مقالاته, تشويه المواطنين للمبانى الحكومية والخدمية, وقطع مقاعد السيارات العامة وتخريب كل ما تقع عليه أيدى المواطن, بحيث لا يتبقى فى النهاية شيئا سليما يستدعى الرضا, وهو ما يساعد فى ازدياد حالة السخط ويعمق فكرة انتظار المخلّص الإسلامى.

والفكرة الابتزازية التى روج لها البنا تقوم على إقحام غير الضرورى والثانوى فى غير محله, وتحويل قاعدة لكل مقام مقال, إلى "لكل مقام نفس المقال", والدعم بعبارة "الإسلام دين ودنيا", لكى تبرر الجماعة فى الأذهان حملها لمشروع سياسى جوار دعوتها الدينية, وهو ما أنتج لنا فى النهاية قمة الإنتاج الدعوى السياسى ممثلا فى مرسى العياط ورفاقه.
والواجب الآن مع تكرار محاولات التوغل السياسى عبر الدين, أن يقوم بالتصدى لهم والتشهير بأساليبهم, من قدموا أنفسهم للشعب باعتبارهم نخب ثقافية تستطيع التقاطها وهى طائرة, بدلا من تفريغ جهدهم لتفريغ مسارات فى جسد الدولة, يستطيع الإخوان المرور منها وتشكيل قاعدة جديدة لتواجدهم!
""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
* نشر بموقع دوت مصر بتاريخ الأحد 1 يونيو 2014م.
إدارة عموم التحرير ..
لأعوام ثلاثة استمر تداول مصطلح "الثورة" باعتباره حاملا لقيم الحداثة والتطور والنزاهة على طول المسار, وبالمقابل نال كل ما خالفه مرادفات عكسية تدور حول الفساد والتخلف والعبودية, ورغم كون أغلب المؤشرات وتطورات الأحداث تدلنا على انحراف هذا المسار, إلا أن الخطاب الإعلامى والنخُبوى كان يصر على إكماله للنهاية, دون أدنى محاولة للمراجعة, واستمرت المحاولات الحثيثة لدفع الجماهير للسير فى هذا الاتجاه وتوجيهها نحوه بالإلحاح والترغيب والتقريظ, ومحاولة الإقناع بعكس ما ترى العين. فنجح الترويج للفكرة السابقة لفترة بين الجماهير بقوة دفع تراكمات ما قبل 25 يناير, حتى تبدد الوقت ولم يعد لأصحابها مشروعية للاستمرار بخلاف تكرار العبارات المستهلكة, وتصدير تهم الفساد نحو الجميع تقريبا, بل وصل الأمر بتوجيه المتطرفين الاتهامات للعقلاء بكراهية الحرية ومعاداة الثورة, وانتهت وعود التقدمية والحداثة فى صيف 2012 بجلوس إرهابى يرفع لواء الثورة على عرش مصر.

يوما كتب د. حسين مؤنس أقصوصته الخالدة "إدارة عموم الزير" يروى فيها كيف يصنع النظام البيروقراطى آلته الجبارة على أنقاض العدم, ويخلق من الفراغ بنيانا مهولا راسخا, وجعل من إنشاء "زيـر" للسقاية بطلب من أحد الحُكام, كيانا نظاميا له إدارة حكومية مستقرة للشرب وإدارة لفخار الزير وإدارة الخشب لغطاء الزير وقلم المعادن لتوريد الحامل الحديدى للزير, وإدارة لكيزان الشرب وأخرى للترميم, وتبودلت المكاتبات بين الإدارات وشئون العاملين, وتكدست دفاتر الحضور والانصراف للموظفين, وتشكلت اللجان للصيانة والتفتيش والتحقيقات, وأُنزلت العقوبات والحوافز, وانتظم البوفيه فى عمله, وظهر مبنى ضخم يحوى هذا الكيان الإدارى, فى حين اختفى الزير فى بدرومه مهشما مهملا, لا أحد يدرى به.

فإذا استلهمت قصة د. حسين مؤنس وحاولت تتبع مجريات السنوات الثلاث الأخيرة, ستجد بنيانا وضعت قواعده مصادفة بين 28 يناير وحتى ما بعد تنحى مبارك بقليل, حينما بدأت النخب تصدق الحدث وتقنع نفسها بصدق غياب مبارك للأبد, وتؤسس لكيان جديد يكونوا فيه هم صناع الحدث, فبدأت صناعة الكيان البيروقراطى للثورة اعتمادا على تصور وهمى مضمونه توحد طوباوى لمدة 18 يوم. أسقطوا من خلالها كل الصفات النبيلة على الميدان, وخلقوا كيانا رهبانيا فى الظاهر يحتقر كل ما هو خارجه, فنشأت داخله صفات المؤسسة البيروقراطية, حيث لمعت النخب الشبابية وعرفت طريقها للفضائيات والصحف, وأصبحت النخب الثقافية المتواجدة بالميدان بمثابة كبار الموظفين الذين اقتربوا من قمة الحكم, وشكلوا هرم وظيفى موازى يهدد استقرار الحاكم ويوهمونه بقوتهم  وتأثيرهم"اجتماع فيرمونت مثالا". ولكون البنيان يعتمد على الأمنيات والخيالات ولا يخلو من مصالح وتشابكات وعلاقات شخصية, فقد استمر علو البنيان عبر أكثر الصور الممجوجة وهى التلويح بالعنف والتجمهر الأسبوعى وإرهاب المخالف ووصمه والارتكان للدعم الدولى السياسى والإعلامى! 

حتى وصل ترهل الثورة فى أشد حالاتها بيروقراطية إلى هتافات تنادى بحرق الوطن صراحة ودون خجل فى فضاء التواصل الاجتماعى قبيل كل تحرك وتجمهر, ولسان حالهم: طهر مصر من الفساد بحرقها. فى نموذج للإدارة البيروقراطية التى تفضل اتباع لوائح مقولبة على تحقيق المصلحة العامة, وتقود فى النهاية إلى نتائج ضارة لا تفيد أحدا, وحددوا اختيارهم الدائم "الثورة فوق الوطن", وتلاشت الأهداف تدريجيا حتى لم يعد يستقر بالميدان سوى أطفال الشوارع والمخربين والباعة, فأين قيم الحداثة؟!


لم تتجسد بيروقراطية الثورة فقط فى الروتين الثورى القائم على اتباع نفس إجراءات التصعيد لتحقيق مكاسب متوالية, لأفراد ومجموعات قليلة تتربع على عرش الثورة عبر الإلحاح الإعلامى, بل تمثلت أيضا فى الإصرار على الشعارات المتكررة وتغيير الجهة محل الخصومة, وبنفس لحن القول والهتاف, حتى تجاوزت الأحداث الهتافات, وأصبحت المطالب بالنسبة للواقع بمثابة صورة أبيض وأسود لماضٍ بعيد منزوِ.

ولم يكن غريبا أيضا أن تتحالف البيروقراطية الثورية مع البيروقراطية الدينية فى الميدان, فالإسلاميين بطبيعتهم يحملون بيروقراطية الكهنوت وتقديس السلف واللوائح الجامدة, ولهم باع فى الشعارات تمتد لعقود وقرون محفوظة بكتب التراث, كذلك تحمل القوتان التذبذب بين التباهى بالقوة وادعاء الاضطهاد الأبدى التاريخى, واتفقت القوتان على التهديد بالهدم والحرق وشعارات "القصاص أو الفوضى" نحن أو لا شئ,  ثم أخيرا اتفقا على أن الشعب المصرى هو شعب عظيم ملهم فى 2011 حين مجّدهم, وشعب من العبيد فى 2014 حين تخلى عنهم وفضّل الوطن .. 
"""""""""""""""""""""""""""""""""

* نشر بموقع دوت مصر بتاريخ الأربعاء 28 مايو 2014م.
مكالمة الجخ


عاد هشام الجخ بموهبته فى شعر العامية, ومهارة العرض بقصيدة "المكالمة", فى مهمة صعبة ويائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه, الرهان قد خسر, ومن يحارب المجهول باسمه وينسب له البطولات والتضحيات والدماء والكفاح وهو "الشعب" أصبح فى صف الخصوم, يتبع خصم الجخ ويغنى له تسلم الأيادى, الجخ ما زال يبكى, هو يدمن البكاء والشكوى, للأمانة ليس وحده, هذه سمة عامة تصيبنا جميعا, ربما لعيب فى طبيعة عواطفنا, نبحث عن تدليل الخسران وإهدار وقتنا معه, وربما نشعر بذواتنا الخاسرة حين نبكى المفقود, وربما نتكاسل بالنشيج للخسارة عن النهوض وبدء محاولة جديدة, فقد نانا حبيبته الأشهر وفقد الثورة وفقد الحلم - أى حلم- لا يهم هنا أن يكون حلما حقيقيا أم مجرد جموح أو نزق أو حتى وهم وخديعة, المؤثرات الموسيقية وتهدج الصوت والأداء التمثيلى وتفاعل الجمهور, كفيلة بجعل مالا معنى له حلما حقيقا وعظيما ووطنيا, حتى لو أدى لخسران البلاد والعباد.

الجخ ينتقل بموازاة الأحداث السياسية, تابعا للمانشيتات المتوهجة, لا يهم من يصنع الحدث, المهمٍ أن يكون متواجدا به, ما زالت الثورة هى التيمة البارزة ووجب استخدامها حتى انطفاء ذبالتها, فجمهور الجخ فى كتلته الأبرز هو جمهور الثورة المستمرة, بنفس المرحلة العمرية ونفس اضطراب الأفكار والمشاعر ورغبة الهدم والصراخ, وأى  مسار آخر لشعر الجخ, يعنى أن يغامر بمستقبله وبجمهور حفلاته. ما زال الجخ يستخدم التيمات القديمة أيضا, التباكى على الفقراء, وإظهار الفاقة فى حفل تذكرة دخوله بثمن غداء أسرة, ينتقل بعده لقناة فضائية تكرم ضيوفها, ثم يسافر بعدها للخارج لعرض حفلاته, لكنه مصمم على الإيحاء باللمز المتكرر تجاه السلطة, واستخدام لغة التلميح دون التصريح للإيحاء بالقمع والمنع السياسى, فى وقت يُهان فيه قادة الدولة علنا بالداخل والخارج, حتى أن "المكالمة" دار بها الفضائيات ومسارح الدولة, لكنه ما زال مصمما على تخيل واستعذاب الاضطهاد, فذلك من الموروثات السياسية التى تروج لصفة النضال!


عاد الجخ كما بدأ شكاّء بكّاء, من بعد التمجيد وتمزيق الدفاتر القديمة كلها, ثم التحدى بقصيدة "مكملين" لاعنا الاستقرار, وانتهى بالشكوى لغياب الاستقرار ووسط البلد التى "وحشته من غير الحواجز والحجارة", دون الشعور بأى تناقض, وانتهى ثانية لاستعذاب الاضطهاد فى "المكالمة", وكان المشترك بكل مرحلة منها إظهار السلبية التى سينفذ من خلالها لتحقيق مسببات الشكوى من السلطة, رغم عدم وجود سلطة فعليا, فمصر طوال ثلاث سنوات تحاول بناء السلطة, وشعره نواته الشكوى والضجر وادعاء الحاجة. تحطمت رؤى وتخيلات الجخ على صخرة الواقع والتفاعلات السياسية التى جرت خلال ثلاث سنوات, فأخرج نفسه من المعادلة التى ادعى بطولتها سابقا, وادعى أن ما بين الجيش والإخوان مجرد صراع سياسى بين ندين, متجاهلا الإرهاب وهدم الدولة والتدخلات الأجنبية, فهناك من يروج  لذاك والجخ من ورائه.



 ليس للجخ رؤية واضحة لما يطلب, لكنه لا يكف عن الشكوى, يوهم الجخ السامع بأن هناك شعب آخر لا نعلمه, يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم, وهذا الشعب الآخر يرفض الإخوان والجيش معا ويجمع بينهما فى كفة واحدة, ويرغب فى الخلاص منهما أو يرحب بإنهاء صراعهما, يقوم الإخوان أيضا بالمصادفة بترويج أكذوبة"الشعب الآخر الذى يرفض الانقلاب".
""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
* نشر فى موقع دوت مصر بتاريخ السبت 24 مايو 2014م.

الخميس، 30 يونيو، 2011

أولى كتاباتى بجريدة القـاهرة!

أولى كتاباتى المنشورة بجريدة القاهرة, الصادرة عن وزارة الثقافة بتاريخ 21-6-2011م بعنوان: "مرسوم سلطانى مملوكى يمنع مارسة البغاء فى المحلة الكبرى"
المقال موجود فى هذا
الرابط بشكل ظهوره بالجريدة..

وهنا على موقع مصرس ..
والمقال فى الأصل نشرته بشكل أكثر استفاضة بالمدونة فى فبراير 2009م , بعنوان
"بأمر مولانا الوالى" ..

الاثنين، 24 يناير، 2011

عن الجـخ وتأشيرته!

هشام الجخ حالة شعرية معاصرة مميزة للغاية وموهوب فى نظم كلماته.. أفادها التواصل التكنولوجى عبر الفيس بوك,, اتسعت خطاه فى فترة بسيطة تناسب السرعة التكنولوجية التى تحمل كلماته للأسماع قبل العيون .. ابتسمت له الحياة فى فترة قصيرة تجعله أقرب لاعبى الكرة منه إلى قبيلة الشعراء, وربما يكون هو "جدو" الشعر الحديث..أتابعه باهتمام وتجذبنى كلماته وتعبيراته وامتلاكه لشيطان شعرى مميز. أحتفظ بقصائده ويسعدنى سماعها بطريقته المميزة, وهكذا مرت الأيام القصيرة أو الشهور منذ معرفتى بشعره بالموازاة مع معرفة الشباب المصرى به عبر وسائط الإنترنت .. حتى رأيته فى مسابقة "أمير الشعراء" العربية والتى لم تجذبنى قبلا .. ولكن الحدث هذه المرة مختلف, فرض نفسه فشعر "الجخ" يصلك بدون تأشيرة".. ولكن "التأشيرة" جعلتنى أتمنى تمزيقها!

أولا: أبدأ بقصيدة "التأشيرة" كونها الحدث الأبرز بالمسابقة وبالإنترنت هذه الأيام.. قصيدة "التأشيرة" _ هى حالة شعورية مرتبطة بجائزة المسابقة ومحل المسابقة ونوعية المتابعين والجهة مانحة الجائزة أكثر منها أى شىء آخر.. وهذا مالايليق بالشعر ولا بتجربته, لذا فهى تعد من وجهة نظرى قصيدة تجارية بحتة الغرض منها مغازلة المزاج العربى الحنجورى والجماهير العربية التى لن تتوجه لشراء ديوان شعر ولكنها ستستمتع للغاية وهى تتشدق بشفاهها عل حال العرب وعزهم البائد بعد سماع القصيدة!

القصيدة تداعب الحناجر فقط الذين يهللون لأى شىء عروبوى أو إسلاموى وهى استمرار لنهج الشكوى الدائمة من كل شىء وأى شىء, وإلقاء اللوم على الحكام الذين يفرقون بين المحكومين الأطايب الذائبين عشقا فى عروبتهم ووحدتهم وأقاليمهم المتفرقة ولا يقول كفيلهم لآخر "إيش بيك يامصرى" , وأعتقد أن "الجخ" نجح فيها بامتياز أن يكون هنا تاجر ماكر أكثر منه شاعر..
وقد بلغ الهزل مداه فى بيته الجماهيرى الشعبوى "أتجمعنا يد الله وتبعدنا يد الفيفا".. متجاهلا يد الكفيل ويد المعاهدة ويد النفط ويد البدو ويد الوهابية ويد الصحراء المغربية ويد قبائل اليمن وشيعتها وقراصنة الصومال, وحلايب وشلاتين, وانفصال الجنوب, وأيادى سوداء كثيرة قد تكون الفيفا أطهرها يداً!

ثانيا : لقب أمير الشعراء ابتكره حافظ إبراهيم لشوقى بك ,, وهو حالة تاريخية متفردة, لا يجوز سرقة لقبها وإسقاطه على آخرين ,, ماذا سيكون الحال لو أصبحت "شيرين" هى كوكب الشرق لعام2011, ومن ورائها "إليسا" فى العام المقبل, وكيف سنقبل أن يطلق لقب "موحد القطرين" على حاكم ما فى تاريخنا المعاصر؟!
قد يكون هو الرئيس عمر البشير بعد توحيد دارفور وإيبى !

على كل حال هى خطيئة منظمى المسابقة أكثر منها جريمة المشاركين فيها, وهو أمر يجب ألا يفوت هيئة تعنى بالثقافة والفنون من المفترض فيها أن تحمى التراث الإنسانى والأدبى بشتى ملامحه لا أن تعبث به.. وهو ماغضضنا الطرف عنه جميعا, مثلما حدث مع برنامج قناة الجزيرة الشهير "شاهد على العصر" والذى يقدمه أحمد منصور وهو بالأساس اسم برنامج قدمه "عمر بطيشة" بالإذاعة المصرية!

ثالثا: "الجخ" موهبة شعرية فذة وأنا شخصيا أحفظ له بعض القصائد عن ظهر قلب وأستمتع بترديدها كلما أمكن .. ولكن اللقب هذا إن صح أن يكون لقبا أكثر اتساعا من قالب هشام الجخ أو ممن حوله فى المسابقة.. وكل ماقدمه الجخ لم يصل بعد لأن يحمل أى لقب سوى شاعر "ساقية الصاوى" مع كامل التقدير للساقية ودورها التنويرى والثقافى .. أو شاعر الفيس بوك0

رابعا: يحسب للجخ أنه بقدر الإمكان حفظ توازنه .. فأبواب الإعلام فتحت عليه فى زمن قصير .. كفيلة بأن تفقده عقله, وهو مازال غير مصدق ماهو فيه, ولا سنه يسمح له بأن يكون أكثر اتزانا مما هو عليه.. ويحسب عليه المبالغة فى الاستظهار والتصنع والتمثيل .. كما يحسب له فى بداية المسابقة رفضه عرض قصيدة "جحا" الشهيرة باعتبارها تنتقد الحكومة المصرية بحسب ما قال, وهو مما لا يتوافق مع مسابقة شعرية.. وإن كانت القصيدة تعد لطما على خدود الوطن وشق جيوبه على غرار "روح ماعدش ليا نفس أشوفك", أكثر منها نقدا للأنظمة المصرية التى حكمتنا متتالية!

أو مالم يقله أن الحدث الآن بدولة"عربية" وبين العرب "الأحباب/ الأشقاء" ما صنع الحداد .. والشماتة جاهزة.. كما أنه من قبل انتقد "محمد بن راشد آل مكتوم" فى أحد حفلاته بساقية الصاوى "مسجلة فيديو" باعتباره رمز سلطوى عربى كريه يرغب فى توبيخه بقصائده .. ولكنه الآن فى أرضهم يستجدى "المليون درهم" وبالتالى فلا داعى لفتح أحد الملفات لكى لا تجر بعضها بعضا !

خامسا: المسابقة التى يكون نسبة التصويت فيها عالية للجمهور على طريقة "إدى صوتك لابن بلدك" هى مسابقة إعلانية إعلامية شعبوية وليست أدبية ثقافية غير جديرة بأن تمنح لقبا فخما كهذا مع الاعتراض على اللقب بالأساس, ويصبح أبرز النقاد المحكمين بها هى شركات المحمول ..

سادسا: "الجخ" لا يصعد بالجمهور للشعر بقدر ما ينزل بالشعر إليهم, جمهوره مازال من فئة الشباب وأغلبهم ممن تفاجأ بأن هناك شعر يمكن سماعه .. يضجر بالشكوى من الوطن والحبيبة المستهلَـكة فى علاقة عاطفية جارى التشهير بها وبأيامها ووضعها فى ألبوم سيدات القيصر كازانوفا, والذى سرعان ما يتجه لله بالشكوى من حكومة ساقطة فى قصيدة تالية متقمصا دور الواعظ الحكيم الذى أفنى عمره عشقا للوطن دون المرور بدروب النساء, وهو مايناسب المزاج المصرى المعاصر المتناقض المدعى بغير مافيه فضائل وقيم وتدين قشرى سطحى .. فبدأ الشباب يسمعه, لكن لن يتعدى الشباب حدود هذه المرحلة ولا هذا الشاعر, ولا حتى هذا النوع من السماع .. فشيوع ثقافتنا السمعية أفادت هشام الجج بوفرة, وغالبا لن يستطيع غالبية المستمعين شراء ديوان وقراءته حين الطبع لعدم تقبل فكرة القراءة ذاتها!

سابعا: اعتبار الجخ لنفسه خلال برامج "التوك شو" بأنه ممثل رسمى للشعب المصرى أو للدولة المصرية فى هذه المسابقة بادعاء مبالغ فيه هو من قبيل الكوميديا السوداء, خاصة فى عبارته "احنا رايحين نجيب اللقب..ونرفع علم مصر".. ولا أبالغ لو قلت بأن الجخ فى قصيدته الأخيرة "التأشيرة" قد قدم اعتذارا ضمنيا أمام الاتهام العربى الأشهر لمصر بتخليها عن العرب, نافيا تهمة أقرب للبطحة المصرية الشهيرة على الجبهة, فكانت "التأشيرة" التى تساعده فى المرور إلى المليون درهم!
.....................................................
* الصورة بعدسة "معتز عبد العزيز" من جروب "المصرى لما يصور" بموقع Facebook.com

الخميس، 22 يوليو، 2010

تدوين فترة النقاهة!*

صادقتنى منذ بضعة سنوات, ظهرت فى حياتى على استحياء ثم زاد وجودها حتى أصبحت طاغية..
فى البدء لم أكن أدرى كنهها, فقط لاحظت بروزا بدأ يظهر فى جسدى بشكل طفيف أقنعت نفسى أن الأمر لا يعدو وهما أو سرطانا ولا وسط بينهما..أتمتع بوسوسة مخابراتية تنفعنى حينا وتجلب لى نظرات الاستهجان أحيانا.

تحدب بسيط يعترض استقامة الجلد..حسنا قد يختفى بعد أيام, إنه لا يؤلم كما أنه غير ملحوظ..
كل الأورام السرطانية لا تؤلم كما أخبرنى الأطباء..
أتجاهله إلى حين.
أنصح الأصدقاء دائما بالتعامل الطبى المبكر مع أى طارىء, وأدفعهم دفعا للكشف الطبى وعدم الاستهانة به مهما كان بسيطا, لكننى أتعامل بشكل مختلف بعض الشىء إذا ما كان الأمر يخصنى. أعطى لنفسى جرعة من التفاؤل الحذر وأؤخر زيارتى للطبيب إلى الفرصة ما بعد الأخيرة..

أكره الانتظار فى عيادات الأطباء, وأكره الجلوس فى العيادة بجانب مدخن ينتظر الدخول للطبيب, وأكره زيارات صديق للطبيب قبل الكشف على دون الاعتذار عن التعطيل, وأكره الاحتراز من العدوى من المرضى بالعيادة حيث أشعر أننى الوحيد الذى يخشاها وجميع المرضى قلوبهم من فولاذ, وأكره النظر لمريض يخرج من غرفة الكشف بالأشعات تظهر به إصابة أو عرج أو أثر لفعل طبى, وأكره لحظة نطق التشخيص من الطبيب, وأكره تعالى الطبيب وبخله بالمعلومات الدقيقة على مرضاه واعتبارهم جهلاء لا يدققون فى مسمى التشخيص وصفاته ومسبباته, كما أننى لا أتعامل مع الحقن حتى لو كانت تحمل لى الشفاء, وأكره الطبيب ذاته للأسباب السابقة إذا ماتوفرت فيه..وغالبا ما تتوفر هى!

ملحوظة: لست جبانا على أى حال فقد أُطلق على طلقة رصاص مرت فوق رأسى من قبل ولم أهتز, ولكن الحقن أعتبرها عدو عاقل يتربص بى!

لم يلحظ أحد هذا الطارىء الجديد, رغم أن المكان ظاهر للعيان, لذا فلم تنعم أعينهم علىّ بنظرات الخضة و التساؤل والنصائح التى يجب على فعلها, هذا بعد أن يقومون بتشخيص الحالة بأنفسهم, وتقديم الاقتراحات السديدة لى وما يجب على فعله, و يسردون قصص بعض من أقاربهم ومعارفهم الذين مروا بحالات مشابهة تراوحت بعد الكشف عنها بين الكيس الدهنى والحمل الكاذب!
إذن فليطمئن قلبى الأمر بسيط غير ملحوظ .. ولتخفت وسوستى قليلا..
أعلم أنها لن تخفت..

شُغلت وشَغلت نفسى بعمل إضافى جعلنى أهون من شأن هذا الطارىء الذى نما قليلا وأعلن عن نفسه بوضوح خلال فترة انشغالى, ولكن أغلب الأصدقاء لا يعلمون.. مما جعلنى أعتقد بقصر نظر الكثير من الأصدقاء أو عدم إخلاصهم لى وإخبارى بحقيقة ما يرونه قد جدّ بى, ولكننى رجحت سببا ثالثا وهو أنهم تائهون لا ينتبهون للمستجدات العظيمة فى الحياة كهذا الضيف الذى جد بحياتى!

لا أدرى كم من الوقت مر منذ ملاحظتى لهذا الطارىء أعتقد أن أننى اطمئنيت لهذا الضيف الذى حل بجسدى حتى أصبح عمره يقاس بالسنين وليس بالشهور.. حتى لحظتها لم يكن الأمر يدخل فى إطار الظهور المؤثر شكلا!

منذ عامين أعلنت عن ضيفى لبعض الأصدقاء بالعمل الذين لم يلاحظوا أى شىء قبلها, فبدأوا فى نصيحتى على الفور حتى قال لى أحدهم بلهجة الواثق : اطمئن "فلان" صاحبى كان عنده بتاعة زى دى .. والحمد لله دلوقتى ..
أنـا: خف؟
زميلى: بيتعالج بالإشعاع..
أنــا: سرطان؟
زميلى: أيوة بس زى الفل وبيتحرك ويجرى .. اطمن.
أنــا: حاضر هطمن.

بعد إخبارى للزملاء بدأ البعض الآخر يعلن لى ملاحظتهم لهذا الورم منذ فترة, وبين الفترة والأخرى يلحون على فى أخذ قرار إجراء الجراحة والآخرين يقولون اسحب عينه بحقنة وحللها, والمحايدون يقولون المكان خطر بعض الشىء بلاش عملية.. أغلب الزملاء يتراوح تخصصهم بين التجارة والآداب ولكن أكثر النصائح الطبية الدقيقة كانت تأتينى من حملة الدبلومات الفنية!

أحد الأطباء قال "نفتح ونستأصل ونحلل الورم" ووجهنى لعمل تحليل دم , فكانت نتيجته طيبة تقلل من مخاطر الإصابة بورم خبيث.. والآخر نصح بتجاهلها تماما فهى مجرد التهاب غُدى بسيط, لم يرجع بالغدة لأصلها لأن الميكروبات تجعلها دائمة فى حالة يقظة, سألت ومن أين تأتى الميكروبات سبيلها للغدة؟ .. رد على الفور : من أى حاجة حتى لو من فرشة الشعر عن طريق فروة الرأس عند الحلاق..

أعلم جيدا أنى لا أمشط شعرى بفرشاة الأحذية ولا بفرشاة جارى المريض بفيروس سى .. من أين تأتينى هذا الميكروبات التى تجعل الغدة ملتهبة لبضع سنين؟ وأى غدة تلك التى لديها استعداد للالتهاب مدى الحياة؟!

لم يقنعنى كلام الطبيب الشهير ولكنه جعلنى أرتكن للوضع الراهن لعام آخر كمخدر موضعى لوسواسى!
ذهبت له ثانية بعد كبر حجم الورم بشكل واضح أكثر من ذى قبل.. فوجدت نظرة الدهشة على وجهه, ووجهنى للجراحة.. فسألته: هكذا بدون أشعة؟!
فقال: لو عاوز.. اعمل أشعة!

ووجهنى لعمل أشعة تليفزيونية بناء على رؤيتى أنا الطبية.. وبالفعل قمت بها, لم أستطع صبرا فسألت طبيب الأشعة أخبرنى بأنها "ليبوما".. كتلة دهنية ولكن المكان ملىء بالشرايين المؤدية للمخ..المكان حساس..
بحثت على الإنترنت عن "lipoma" فوجدت من خلال عدة مواقع أنها ورم شحمى غير قابل للتحول لخبيث.. فحمدت الله وارتكنت لما أنا فيه لفترة أخرى!

أؤمن بمثل إنجليزى يقول " قِس مائة مرة واقطع مرة واحدة"..وهو مثل يناسب وسوستى على كل حال.. بعد رحلة من التفكير مدتها عام آخر قررت إجراء الجراحة بعد انتهاء كأس العالم.. بل أخذت القرار النهائى أثناء مشاهدتى للمباراة النهائية بين أسبانيا وهولندا!

قمت بالإجراءات والسؤال عن الطبيب المناسب, وللحق فكل طبيب أستفسر عنه كان يقال لى فيه قولان ..الأول أنه طبيب ماهر وليس له مثيل والقول الثانى أنه "حمار".. هكذا بلا نقاش!
فعلمت أن الوجه الآخر للمهارة فى بلادنا هى "الحمورية" وليست قلة المهارة لا سمح الله..

السؤال الثانى الهام للغاية بالنسبة لى : أى المستشفيات لا تنقل فيروس سى أو العدوى لكى أجرى بها العملية.. لمحاسن الصدف قابلت حالتين نقل لهما فيروس سى خلال عمليات جراحية بمستشفى خاصة تعد هى الأرقى بمدينتى ..الإهمال لا يعرف خاصا من عام!
استقر الرأى على مستشفى حكومى بعد التقصى عنه وجدت أنه ليس بالفخم ولكنه أيضا يتمتع بنظافة طيبة, وهذا هو مايهمنى..فتوكلت على الله.

رحلة أسبوع فى التأمين الصحى ليست بالكثير على من تلقى نصف تربيته طفلا فى طوابير الخبز..ولكنها أتت ثمرتها بنجاح.. بعد الإجراءات الإدارية و "الختم مش واضح" و حتى التحويل "للممارس" الذى حولنى للأخصائى قائلا لى : لا تخبره بالتشخيص الذى معك بالأشعة واتركه حتى يعرفها وحده دون مساعدة..فشاهدت فى كلماته حساسية بين الممارس المكتفى ببكالريوس الطب وبين من حصل على درجة أخصائى أو استشارى حتى كان يقال لى بعد إتمام الإجراءات بالتأمين الصحى : "ابسط ياعم ورقك خلاص وهتعمل العملية"!!
أنـا: هنبسط حاضر..

الجراحــة
حدد لى الطبيب موعدا الثامنة والنصف صباحا لعمل الجراحة.. ذهبت مبكرا, انتظرت فى مكان خارجى لاستقبال حالات المنتفعين بالتأمين الصحى, مكان مكشوف ولكنه خانق معتنى به بدرجة طفيفة والذباب ضيف دائم فيه..هو أقرب للشارع الخارجى منه للمستشفى. سندوتشات الفول والطعمية مع الحاضرين لا تخطئها أنف, يزدحم المكان تدريجيا, وكل مريض حاضر معه من ثلاثة لستة أشخاص!
أتى الطبيب فى العاشرة, وبدأ فى الاجراءات الإدارية معى لتحويلى للعمليات فقال لى : بكرة نعملك العملية .. فقلت: حضرتك قلت لى إنها انهاردة وأنا عملت حسابى على كده "فى خاطرى: مش ناقص قلق".. بعد بعض التململ حولنى للعمليات فى حالة "لو لقينا أوضة عمليات فاضية" مع ختم العبارة بـ "ربنا يسهل"!
هذه العبارة ظاهرها الدعاء وباطنها العذاب..رحماك ربى.

أجريت بعض الاتصالات بمعارف تجمعنا بالطبيب, قرر الطبيب إجراء الجراحة لى ولكنه لم يخبرنى إمعانا فى زيادة معدل القلق ..دخلت المستشفى لاستكمال الإجراءات والتوقيع على إقرار بمسئوليتى التامة عن نتيجة العملية والبصم بالإبهام على الإقرار .. ودفعت رسوم قدرها جنيها واحدا واستلمت إيصال مكتوب عليه "إيصال مؤقت" لم أدرى معنى للعبارة حتى الآن.. مجموع الإجراءات والصعود والهبوط والتحركات وتخليص الأختام أمر سخيف وحارق للأعصاب لمرضى سيكونون فى عمليات جراحية بعد قليل..

وفى قسم العمليات وجهونى لطابق أعلى لكى أرتدى جلبابا و إسورة تحمل اسمى ورقم خاص.. توجهت لهناك وأنا متأنف من ارتداء أى جلباب ارتداه غيرى حتى لو غسل بحامض الكبريتيك ..أعطونى "الإسورة" وربطوها حول معصمى فشعرت برهبة ما نتيجة هذا القيد الرقيق .. أخبرتهم بأن معى ملابسى الخاصة, ولا أريد جلباب المستشفى, فقالوا لى أنت جراحة يوم واحد ولن تبيت بالمستشفى, فليس لك جلباب, علمت أنهم يخشون على الجلباب أن آخذه وأرحل بعد الجراحة, وهو "عهدة"!!

لم أكن أعلم أن ملامحى تدل على أننى "حرامى غسيل" قبل هذا الموقف, شكرا لكم..
حمدت الله على خوفهم على عهدتهم فلقد جنبونى مشكلة ارتداء ملابس المستشفى..فسوف أتخيل أن كل من ارتداها قبلى هم من مرضى الأمراض المعدية التى لا تتطهر الملابس منها إلا بالحرق..هذا توتر لو تعلمون عظيم!

رجعت للعمليات فأجلسونى خارجها لمدة ساعة تقريبا..ثم قاموا بالنداء على فارتجف قلبى..اختبار قادم..
دخلت فجلست فى طرقة هى أنظف مكان بالمستشفى حتى الآن, يمنع الدخول فيها بالحذاء, وبمجرد الدخول تنتعل "شباشب" خاصة بيضاء ..وتبدو فيها آثار التطهير..طاقم التمريض بداخلها أكثر أناقة وجدية من أى قسم آخر بالمستشفى..هناك نظافة عامة تطمئن قلبى..

ها أنا أقترب من قدس الأقداس.. يبدو أنه كلما اقتربنا من غرفة العمليات يزداد الاهتمام والتعقيم..وهذا هو مايهمنى الآن!
جيد للغاية فلقد نسوا أن يسألونى لماذا لم أرتدى جلباب المستشفى؟! فلو تذكروا لأرجعونى ثانية لقسم "الجلابيب" لارتداء جلباب المستشفى, ولرفض قسم الجلابيب إعطائى "جلابية" خوفا من الهروب بها لعدم إقامتى بالمستشفى بعد الجراحة, ولهوينا لمشكلة عويصة قبل إجراء الجراحة .." هل أرتدى جلبابا أم لا أرتديه".. وهى مشكلة كفيلة بخلق صدام إدارى بين إدارة العمليات وقسم الجلابيب, يعلم الله وحده ما ستسفر عنه نتائجه!
نظراتى تائهة تجوب المكان, علمت كل شىء فيه تقريباً, لاحظت اهتمام كل أفراده بالجوانتيات وارتداء الكمامات وغطاءات الرأس الطبية .. نظرات منى للممرضات قد تفهم خطأ منهن!

هل يمكننى أن أتدبرهن فى تلك اللحظات.. قد أموت بالداخل بعد دقائق.. تذكرت حينها آلاف الصفحات التى قرأتها عن تحريم النظرة .. فأى حرام هذا الذى تفعله بك النظرة قبل الموت المحتمل, لا أعتقد أننى سأفعل الحرمات الآن, وليس هناك معنى للنظرة, ولا معنى للحرام الآن, ليس الوقت كالوقت.. قبل الموت كقبل الميلاد,,لا شىء سوى الوجود.. فقط الوجود .. ماهذا الذى يجول برأسى, تذكرت حياتنا الدينية جميعها فى لحظات, وأشفقت على ذاتى.. فقط ذاتى!

دخل الطبيب حجرة سمعت من خلالها صوته يمزح مع بعض زملائه وأنا خارجها ومضى وقت آخر, مر أربع ساعات منذ قدومى للمستشفى.. ثم نادونى للدخول للعمليات وأمرونى بعدم انتعال أى شىء ووجهونى لغرفة العمليات وأعطونى رداء أخضر فمددت للممرضة يدى لكى أرتديه فأشاحت بوجهها أن أدخل يديك فيه بالمواجهة "أمر ما يشبه زى مرضى الأمراض النفسية فى أفلام السينما", تبا لعناد الأحداث, أفلت من الجلباب فأتونى "بمريلة المجانين" تلك, لم تربطها الممرضة حول ظهرى فجعلت ذراعى داخل الكُـمّين فقط, وأبعدتها عن جسدى بقدر الإمكان.. أقنعت نفسى أن الزى نظيف ومطهر وأن من ارتداه قبلى كانوا من الحريصين على نظافتهم بكل تأكيد ..
من طرقة إلى طرقة يزداد الهدوء والنظام والنظافة..ولكن تزداد الرهبة بداخلى وتزداد الفراغات والمساحات.
وصلت للمعبد..واسعة هى حجرة العمليات, يتوسطها سرير مسطح يتساوى فيه الأمام بالخلف, وللغرفة رهبة غير عادية.. الممرضة بالداخل تسألنى: هتعمل ايه؟
أنـا: ليبوما
الممرضة تلتفت باهتمام: انت قلت ليبوما؟
أنـا: أيوة.
الممرضة: انت دكتور؟
أنـا: لا.
الممرضة: أمال عرفت الاسم ازاى؟
أنـا: من التقارير.
تبدى اندهاشا وتبتسم ثم تسألنى: هتاخد بنج كلى؟
أنـا "برجاء": ياريت يبقى موضعى.
الممرضة: حاضر, هجيبلك دكتور تخدير بيموت فى البنج الموضعى.
" بداية طيبة .. دائما أشعر أننى لو غبت عن الوعى مرة لن يعود إلى ثانية..كما أننى أخشى من هلوسات البنج فأبوح بكتمان السنين, وأشعر أن كل من سيعرف أسرارى سيبتزنى بعدها بما علمه..أوغاد!".

خرجت و عادت بطبيب تخدير شاب ملتحى ذو ابتسامة مميزة و روح تفرض عليك محبتها.. تعرف على وسألنى عن نوع الجراحة.. ورددت عليه رغبتى فى البنج الموضعى وليس الكلى..فقال لى بعد معاينة الورم : حاضر ياسيدى هعملهالك موضعى بس عاوزك تشرفنا كده وتجمد!!
قفز الرعب إلى قلبى: أشرفكم إزاى؟ هو هيبقى فى وجع؟.. ابتسم وغادر الغرفة وقال: لا .. إن شاء الله مفيش حاجة.
جالت بخاطرى القصص والتخيلات لمعنى عبارة "عاوزك تشرفنا"..جلست على السرير بتوجيه من الممرضة فى انتظار الطبيب والطاقم..
أمر طبيب التخدير الممرضة بتحضير "كربون" و"إبر أنسولين" قبل مغادرته الغرفة.
فسألت الممرضة ما علاقة "إبر الأنسولين" بالبنج الموضعى.. فقالت: هى الإبر فقط وليس بها أنسولين, نستعملها لأنها رفيعة ونضع فيها مادة البنج.

حسنا وكأن الطبيب يعلم موقفى الرافض للحقن فأتى لى بأخف أنواعها وأقصرها.
أتى طبيب صغير السن يبدو أنه خريج حديث, وتحدث معى وقال لى : هو الورم فى مكان إيه ..اللى هو!

ما كل هذا الإعجاب بخطورة الورم!

أنـا: يعنى فى خطورة؟
الطبيب الشاب: يعنى شوية.. بس عاوزة حرص علشان المكان حساس..مش عاوزة واحد يقطع فيها وأشار بإشارات السكاكين الخاصة بالجزارين وابتسم.
أنـا: انت بتتكلم جد؟!
الطبيب الشاب: يا عم بهزر معاك..سيبها على الله.

ورغم أنى بالفعل "بسيبها على الله", إلا أننى لا "أسيبها لله" إلا بعد أن أفعل كل ما على فعله بقدر الإمكان, ولا أتخيل "الله سبحانه" نائب فاعل أبدا!!

أيضا هذه العبارة تسبب لى القلق دائما حينما تصدر من أفواه المصريين, فكل حوادث القطارات والسفن والميكروباسات والعمارات المتهدمة أبطالها كانوا "سايبنها على الله"!

جال بخاطرى أن أقوم وأهرب من الغرفة وليبحثوا عن أحد غيرى يشرفهم, وعلى أن أحتفظ بالورم كصديق دائم بداخلى. مددت قدمى للقفز من فوق السرير العالى, ولكننى تراجعت, فقد قطعت شوطا طويلا حتى وصلت لهنا, هل ستضحى بكل هذا؟! وجع ساعة ولا كل ساعة..هى موتة ولا أكتر.. حتى جاء الطبيب فقطع على طريق الهرب.

بلهجة آمرة خفيضة ليس فيها أى ظود قال: "يالله نام"
أنـا: أنام على ضهرى ولا على جنبى؟
الطبيب "آمرا": نام على ضهرك.
وجه الطبيب من النوع الذى تعجز عن تحديد طبيعة ملامحه هل هو جاد أم يمزح أم يخجل من التباسط!

لا أدرى لماذا يعاملنى هكذا..هل لأنه مستشفى حكومى؟ هل هى طبيعته؟ لقد ذهبت لعيادته كما هو العرف كى يستفيد منى ماديا, ودفعت له كشفا خاصا ليس من حقه, ولكن ذهبت لكى أستوضح منه مالم أستطع الاستفسار عنه بالتأمين الصحى.. رغم أن الجراحة تابعة للتأمين الصحى, ولكن هذا هو أحد مسالك التأمين الصحى فى مصر وأحد أعرافنا الطبية, فيجب أن تكشف عند طبيب التأمين الصحى بعيادته الخاصة لكى يمنحك اهتمامه.
وفى العيادة حاولت معه أن يكون البنج موضعى, كما وعدنى أن تكون الخيوط الجراحية تجميلية لكى لا تترك أثرا يجعلنى كأرباب السوابق.

نطقت الشهادتين وسميت الله..
وبدأ التخدير بحقن كثيرة حول مكان الورم لتخدير مساحة واسعة بعض الشىء.. بعدها سمعت صوت جلدى يتمزق يشبه صوت تمزيق قطعة من القماش تماما.. لا مفر الآن, بدأ الجد ولا يمكنك التراجع..لا أستطيع أن أقول له اغلق مافتحت فلا أريد إكمال الأمر لنهايته..لم تزول فكرة الهروب من رأسى.. اصمد. وبدأ الأطباء يفحصون الورم ويشخصونه على الطبيعة..
أسمعهم وأنا مغمض العينين.
الطبيب: دى مش Lipoma ..
الطبيب الشاب المساعد: مش Lipoma يا دكتور!
الطبيب: دى ....... limpha "باقى الاسم مش واضح".
أنـا "بصوت محرج خفيض" وعيناى مغمضتان وناظرا فى الاتجاه العكسى: مش ليبوما يا دكتور؟

لم يجب أحد سؤالى .. أشعر بحرج ..سرحت بى الأفكار الكلمة دى غالبا "حاجة ليمفاوية" ..تبقى غدة... طيب مش معقولة هيستأصل الغدة.. ربما ورم فى الغدة.. يبقى الموضوع كله اختلف, وهتدخل فى موضوع سرطان.. ياعم جايز تشخيص مختلف لنوع من أنواع أى حاجة ليمفاوية قريبة التكوين من الكيس الدهنى.. حد يعبرنى طيب!!

بدأ التقطيع والتعاون بين فريق الجراحة ..أفتح عينى قليلا أجد مشهد رؤوس متزاحمة تبحلق فى وجهى وأكثر من كشاف مضىء مسلط على.. كيف سيكون شكل الزبانية؟!
من الأفضل إغماض العينين للنهاية .. مشهدهم لا يسر.

أغمضت عيناى ثانية جلبا للأمان.. ما أسمعه وأتخيله يجعلنى أقذف بالعرق زخات.. جسدى مفتوح وأنا مستيقظ وأستمع لحوارات إنجليزية.. deep, extension ومصطلحات أخرى لا أتبين معناها.. كيف ستكون الآلام بعد انتهاء مفعول البنج؟ بالتأكيد لن تقل عن آلام إبراهيم الأبيض!
أردد وراءهم : هو عميق؟ فى امتداد؟

طبيب التخدير: يا جماعة ده بيفكر فى كل جملة بنقولها, وعمال يدور الكلام فى دماغه.
الممرضة: الـ patient فاهم الكلام؟!
أنـا: آه ال patient فاهم ياستى.
طبيب التخدير: انت بتشتغل ايه؟
أنـا: " كذا"
طبيب التخدير: لا.. تبقى فاهم, حوروا اللغة بقى علشان مايفهمش.. "مع خبطتين لطيفتين على صدرى".
وبالفعل بدأوا فى تحوير الإنجليزية لكى يستعصى على الفهم..
أنـا "بعناد من سيفقد كارت رابح": ما تقلقش هفهم برضه.

بدأت المصطلحات تتردد بشكل محور, فزادت صعوبة الترجمة المتواضعة التى كنت أقوم بها!
بعدها بدأ الطبيب يجذب كتلة الورم بشكل قوى بغير أسلوب التقطيع الجراحى.. فكان يرجنى رجا كالنجار حينما يخلع مسمارا! خشيت أن أشعر بألم وكان يعترينى خوف من أن ينتهى مفعول البنج أثناء الجراحة, فانتهزت الفرصة لأطلق بعض التأوهات, كان الألم محتملا.. فقط كان يشبه من يجذبك من أذنك أو إصبعك بقوة, ولكننى تأوهت لكى لا يتناسون ألمى أو لكى "يعملوا حسابهم".. فأتانى طبيب التخدير بحقنة إضافية بتعليق لطيف منه.

فهمت حينها عبارة طبيب التخدير الغامضة "عاوزك تشرفنا كده وتجمد".. ليس للجميع القدرة على متابعة العبث بأجسادهم وتقطيعها وهم يستمتعون بهدوء!

الطبيب الشاب المساعد: دى الـ muscle يا دكتور .. دى muscle.

وضعت إحدى الممرضات مسطح ناعم أسفل ساقى بعد أن رفعت بنطالى حتى الركبة, بعد قليل سرحت فارتفعت ساقى لأعلى, فصرخت فى مؤنبة: نزل رجلك علشان ماتتكهربش.." ما هذا الأسلوب؟!.. تحدثنى وكأننى أعلم طبيعة الأجهزة.. لو كنت فى مكان آخر لجعلتك تندمين على صدفة مقابلتى.. أحرجتنى عن حق".. فى بدء الجراحة شعرت بكهرباء تمس جسدى وأخبرتهم بذلك فلم يشرحوا لى السبب!

رنة محمول تظهر فى العمليات بصوت طفل صغير.. ويرد أحدهم على الموبايل ويتحدث "عادى جدا" ..فيبدأ النقاش حول الرنات, وحول المتصل " الله هو ماجاش..طيب قول له ييجى أنا مستنيه.. لا يا سيدى فى العمليات .. يالله سلام..مستنيك أه".. تستمر المصطلحات الطبية الإنجليزية فى ملأ أجواء الغرفة, فتذكرت "سوريا" التى عربت الطب منذ سنين!

نقاش آخر بين فريق العمل عن شقاوة الطبيب و قلبه الكبير وميله للجميلات, والطبيب نفسه يشاركهم بشكل ضاحك.. الأمور ليست بالصرامة التى نراها فى التلفزيون!!
أنـا "مغمض العينين": والله انتم دكاترة عسل..
الطبيب "بدهشة نصف مازحة": احنا دكاترة عسل! احنا بنحاول نعملك جو أسرى علشان بس تحس بألفة وتضيع رهبة العملية.
أسرح قليلا.. طيب مانت حلو أهوه, أمال ليه محسسنى إنك كارهنى, أو انك مش طايقنى.. ولا يمكن اتكسف علشان اتجرأت وقلتلهم "انتم دكاترة عسل".. يمكن فك شوية وقلبه رضى عنى, أو يمكن استريح لما استأصل الورم ..مش عارف.

الممرضة: حتة دهن خرجت منك أهيه.. تاخدها لمراتك تعملك عليها بامية؟!
أنـا: يا ساتر يارب.. أنا مش متجوز.
طبيب التخدير: و هى كمان مش متجوزة.
أنـا: ده تدبيسة بقى.
الممرضة: لا ده أنا سمرا بس زى القمر" بخليط من الخجل والمزاح".
" لم أكن أرى أحدا ولكن أعتقد أنهن ممرضتان أو ثلاث"
أنـا: أنا بكلمك وأنا مغمض يعنى مش شايفك أصلاً.
ضحك عام فى غرفة العمليات, الجو العام ذو ألفة الآن, يبدو أن مراحل الاستكشاف التى تلازمها العصبية قد مرت بسلام.. الجميع الآن يمزحون لأقل كلمة!

أشتم رائحة شياط من جلدى, يبدو أنهم يكوون مكانا للنزيف, تهيم ذاكرتى لعملية كى لشعيرات دموية أجريتها فى طفولتى أثناء نزيف أنفى.. الكى بمادة نترات الــ .. الــ .. الفضة ربما..
مازلت لا أرى شيئا وعيناى مغمضتان, أشعر بقرب الانتهاء من الجراحة فقد رحل ضيفى الذى استضفته بضع سنين, ولم يتبقى سوى الرتوش النهائية. يتبقى عبء تحليل الورم, وانتظار لحظة الحكم على طبيعته..رحلة أخرى مع أضابير الصحة المصرية.. كنت دائما أتوق لرؤية هذا الشىء المستأصل, ولكننى لم أجرأ على فتح عينى وتحويل رأسى إليه لرؤيته. فى طفولتى حزنت للغاية حينما أفقت من عملية استئصال اللوزتين, ولم أجد اللوزتين بجوارى كما طلبت أن أراهما, فأخبرنى والدى أنهم تخلصوا منهما فى القمامة لأنها ملوثة.. يومها تساءلت وهل هذا التلوث لم يستطع صبرا حتى أفيق فأراها ثم يتخلصون منها!

حججهم دائما ساذجة هؤلاء الكبار حينما ينهون مواقفهم مع صغارهم, يزرعون بنا قبول الموائع.. وهو ما يسهل مأمورية الحكومة فيما, فتتسلمنا الحكومة منهم لبنة طرية معدة للاستخفاف بعقولها باقى حياتها .. نبتلع مايرددون بسهولة دون رفض أو استنكار!

سمعت من قبل أن دكتور مجدى يعقوب يتمايل على أنغام موسيقية فى غرفة العمليات ودكتور حمدى السيد لايعمل إلا على صوت فيروز, وأن هذه الطقوس هى من أساليب الأطباء لتحقيق التوازن النفسى أثناء الجراحة!

بدأ الطبيب يغلق الجرح وينتهى منه... فبدأ العرق الغزير يسيل منى وأنا أشعر بقوة يده تمتد إلى أقصاها وهو يحيك الجرح.. تخيلته كأى حائكة ملابس تخيط ثوبا أو تثبت زرارا بقميص.. شعرت وقتها أن الجرح مساحته مترا, رغم أنه يفترض أنه صغير نوعا ما!

انتهى الطبيب من الجراحة فى مدة أقل من نصف الساعة, ولكنها كثيرة التفاصيل.. شىء عسير أن تشاهد جسدك مفتوحا وهناك من يعبث به.
شكرت فريق عمل الجراحة بصدق, ودعوت لهم جميعا بإخلاص.
وعاد الطبيب للهجته الآمرة: خلاص يالله قوم .. لم أستطع النهوض بسهولة فساعدنى وقال: خلاص اتفضل.. سألته هل أغلقت الجرح بتجميل؟ .. قال: لا, كنت هحتاج أعمل "كذا/ مصطلحات طبية ",عموما أنا عملتلك الصح..
أنـا "فى سرى" : كده الجرح هيسيب أثر..هتشوهنى الله يخرب بيتك.

خرجت من الجراحة على قدمى كما دخلتها..شاهدتنى أمى وأنا بالخارج فكأنها ردت روحها ولم تصدق أننى أمامها بهذه السرعة واقفا, كانت تقرأ قرآنا, ولم أكن أنا نفسى أصدق.
بمجرد جلوسى حدث هبوط فى ضغط الدم من تأثير رهبة معايشة الجراحة, فشعرت بدوار وعرق وهبوط, فساندنى عمال العمليات للدخول لغرفة الإفاقة.. رفضت الجلوكوز لأن به حقن.. استرحت قليلا وخرجت ماشيا إلى أمى المتلهفة على رؤيتى, والتى أصابها ماحدث بقلق بالغ... رفض الطبيب تحليل الورم قائلا: أنه لا يستحق وأنه لا خوف على!!
.......................................................
*الاعتذار لروح عمنا "نجيب محفوظ" على استعارتى ثلثى عنوانه "أحلام فترة النقاهة".
* تجربة حقيقية مررت بها.
* الصورة بعدسة Imran Choudhury من جروب In Focus من موقع Facebook.com

الأحد، 6 يونيو، 2010

فى وداع رجل نبيل!

أديب الدراما التليفزيونية المصرية تركنا وخلا مكانه شاغرا, وحتى الآن لم أستوعب وفاته, بعض البشر لا نتخيل أنهم قد يفارقون ذات يوم لثقل تأثيرهم فى حياتنا, ولإثرائهم حياتنا بما يعجز عنه غالب البشر أن يضيفوه.
ملأ هذا الرجل حياتى كـأب بلا أدنى مبالغة بما أضفاه على شخصيتى وعقلى من صقْـل ومعرفة وتفكير دائر, وتوجه فكرى عام يصعب على مفارقته أو أن يفارقنى هو. ورغم أننى لم أعتد بكاء الأقارب فور رحيلهم, لمشكلة لدى فى استيعاب فكرة الموت سريعا, إلا أن هذا الرجل بكيته بلوعة من يشتاق للحظة عودة واحدة و سماع لثغة "الراء" المميزة بنبرته.. لم ألتقى "أسامة أنور عكاشة" يوماً!

شخصيات "أسامة أنور عكاشة" لن تغادر مكانها يوما لدى من شاهدوها وقت تكوينها, وتحولها من الورق إلى الشاشة, فالباشا والعمدة والهانم وسماسم العدلى والمعلم زينهم السماحى و الشهيد طه السماحى وبـِسة والخُمس و السبعاوية و د.مفيد أبو الغار وفضة المعداوى و حمو وصقر الحلوانى والحسينى وزينب وأبو العلا البشرى و أبلة حكمت والأستاذة مارسيل وسيادة القبطان وبِـِشر عامر عبد الظاهر وعائلة الشراغيش وحسن أرابيسك وعمارة و الأستاذ وفائى و الدكتور برهان والدكتورة ممتاز محل ووفية ولبيبة هى شخصيات من لحم ودم حية ترزق بيننا, تمارس حياتها حتى بعد أن تقوم من أمام التلفاز لانتهاء الحلقة وتلقانا فى اليوم التالى منهكة مثلنا من عناء يوم جديد قد مر!

مثقف من طراز راقى وكاتب لا يكتب للاسترزاق ولكن للتأثير والتغيير والمقاومة والخلود..
لم يكتب فقط للتليفزيون ولكن حتى أعماله السينمائية تشهد له بالتميز فمن يشاهد فيلم "كتيبة الإعدام" يعلم أن العبقرية متأصلة فى دماء هذا الرجل. بالأمس أذاع له التليفزيون المصرى على قناته الأولى مسرحية "الناس اللى فى التالت" تموج بآلام هذه البلد.. أذاعها التليفزيون ليلة 4_5 يونيو 2010م, ولم ينسى التليفزيون المصرى أن يعرضها فى الساعة الثانية صباحا لكى لا يشاهدها أحد.. المسرحية سياسية اجتماعية كاشفة من العيار المؤلم!

تحدثت "منى الشاذلى" فى حلقة تأبين "أسامة أنور عكاشة" ببرنامج "العاشرة مساء" يوم الأحد 30 مايو2010م عن مسلسل إذاعى كتبه منذ عامين يتناول قصة لشخص أجنبى يعيش داخل حى شعبى مصرى منذ فترة طويلة متخفيا فى شخصية مستعارة, وذكرت أنه بعد فترة طويلة وجدت قصة مشابهة حقيقة تناولتها صفحات الحوادث بصحف القاهرة..فى الحقيقة لم يتسنى لى متابعة هذا المسلسل الإذاعى ولا هذه القضية المريبة محل الحديث, ولكنها كانت تستشهد بها وكأنها نبوءة أو توقع مستقبلى لأسامة أنور عكاشة انتقل من الورق للواقع دون رابط فعلى بينهما!

مقالات أسامة أنور عكاشة كانت أيضاً تنم عن معرفة متشعبة وثقافة رفيعة الطراز وعقلية موسوعية, ومعاركه للدفاع عن ما كتب كانت مرهقة لتكسيره لبعض التابوهات والأصنام الاجتماعية نقله لخانة المغضوب عليهم سياسياً ودينياً واجتماعيا, فالذين ينافقون التاريخ منتشرون فيما بيننا, والذين يقدسونه أكثر, والذين ينافقون العوام أكثر وأكثر!
هاجم "عمرو ابن العاص" بشدة وثبت على رأيه بشأنه رغم مكانة "عمرو بن العاص" فى مصر بالأخص, وكتب مقالا قويا بعنوان (من أنجبن البغايا؟) * واشتهر المقال بعنوان "أبناء الزنا كيف صاروا أمراء للمسلمين" سجل خلاله "قرفه" الشخصى من خط سير تاريخنا ومن الذين سيروه وصيروه بهذا الشكل الذى هو عليه حتى الآن!

كان هذا المقال فى إطار مراجعته الفكرية للكفران بفكرة القومية المنتحرة, حتى ذكرها فيما بعد بنقابة الصحفيين فى 23 أبريل 2007م بأن جميع العرب يكرهون مصر وإذا أردنا الحفاظ على مصر فعلينا إبعادها عنهم لأنهم خطر على مصر!
كتب أسامة فنون الكتابة جميعها ربما باستثناء الشعر, فالدراما التليفزيونية "ملعبه الأساسى" والسينما و المسرح و الدراما الإذاعية والرواية والقصة القصيرة والمقال ..

أنقل هنا جزء من مقال له نشره فى جريدة الأهرام المصرية فى عام 2002م, كان يتحدث عن السفسطة و التلاعب بالألفاظ, وكيف يمكن أن تؤدى العبارة الواحدة للمعنى ونقيضه فى آن واحد, نقلت القصة من المقال فى كراسة خاصة ثم ضاع منى المقال بعد حفظه رقميا بـ "الاسكانر" فى عملية عطب تافهة لـ "الهارد ديسك" الخاص بجهازى, والذى يحمل أرشيفا صحفيا خاصا لآلاف المقالات والموضوعات وصحفا قديمة بأكملها وضاع ما أعتبره ثروة خاصة ومجهود عامين كاملين لأرشفة هذه الثروة رقمياً هباءً.. ولله الحمد والمنة!
حكاية جورجيادس وتلميذه**
" كان جورجيادس.. وهو واحد من أشهر فلاسفة السفسطائيين- يرتزق من العمل بالمحاماة .. وكانت له فى هذه المهنة شهرة عريضة أغرت أحدهم - وهو شاب ماجن غضب عليه أبوه الثرى فحرمه من أمواله وقاطعه - بأن يفكر بدوره فى تعلم المهارة السفسطائية ليشتغل بالمحاماة ويرتزق منها.

فجاء إلى "جورجيادس" وطلب منه أن يعلمه وصارحه بأنه مفلس ولا يستطيع أن يدفع له أجر تعليمه .. ولكنه عرض عليه أن يتشاطرا فى عقد مكتوب بأن يدفع الفتى أجر معلمه من أتعاب أول قضية يكسبها بعد اكتمال تعليمه وامتهانه للحرفة!
وقد كان .. وجَـهُد الأستاذ فى تعليم الفتى حتى سقاه كل أسرار البراعة السفسطائية ومنطقها .. وأصبح جاهزا لممارسة المهنة. وبقى "جورجيادس" يفرك يديه فى انتظار أجره المجزى الذى لابد أن يدفعه تلميذه بمجرد أن تسند إليه قضيته الأولى, لكن الرجل كان ينتظر على غير طائل.

فقد حدث أن تصالح الفتى مع أبيه وعاد إلى جنته ليرتع ثانية فى حياة الرفاهية, وبالتالى لم يعد فى حاجة لأن يمارس مهنة المحاماة. واستشاط "جورجيادس" غضباً وهرع إلى تلميذه يطالبه بأجره ..فباغته الفتى وهو يضحك ساخرا بإجابة مفحمة: "عفوا يا أستاذى العزيز, فالعقد المبرم بيننا أن تتقاضى أجرك من أتعاب أول قضية أكسبها, وأنا كما ترى, لا توجد لدى قضايا حتى أكسبها أو أخسرها!"

وأسقط فى يد الفيلسوف الشيخ وهو يجر أذيال الخيبة, لولا أن أسعفه ذهنه المدرب على المنطق السفسطائى بفكرة باهرة, فانثنى إلى تلميذه الجاحد قائلا: "إذن يا تلميذى النابه فقد قررت أن أرفع عليك قضية أمام المحكمة الأثينية الموقرة, أطالبك فيها بأجرى, فإذا كسبتها أنا فسأتقاضى أجرى منك بحكم المحكمة, وإذا كسبتها أنت فسأتقاضى أجرى منك بحكم العقد المبرم بيننا..أى أننى سأحصل على أجرى فى كلتا الحالتين!"
فإذا بالفتى التلميذ يبادره وهو يضحك ساخرا: "كلا ياسيدى جورجيادس المحترم .. فلن تنال أجرك فى أى من الحالتين .. إذا حكمت لك المحكمة أكون قد خسرت القضية ولن تتقاضى أجرك بحكم العقد .. أما إذا حكمت لى المحكمة فلن أدفع لك بمقتضى حكم القضاء!"
وهكذا تغلق الدائرة المفرغة على لاشىء!
وأعطى المنطق السفسطائى صفته لكل حوار أو جدال لا يصل إلى غاية أو يكون هو الغاية فى حد ذاته! "
الله يرحمك يا عم أسامة.
..............................................................
* اقرأ مقال "من أنجبن البغايا" من هنا
** النص منقول حرفيا من المقال المشار إليه دون أى تصرف.