الخميس، 30 يونيو، 2011

أولى كتاباتى بجريدة القـاهرة!

أولى كتاباتى المنشورة بجريدة القاهرة, الصادرة عن وزارة الثقافة بتاريخ 21-6-2011م بعنوان: "مرسوم سلطانى مملوكى يمنع مارسة البغاء فى المحلة الكبرى"
المقال موجود فى هذا
الرابط بشكل ظهوره بالجريدة..

وهنا على موقع مصرس ..
والمقال فى الأصل نشرته بشكل أكثر استفاضة بالمدونة فى فبراير 2009م , بعنوان
"بأمر مولانا الوالى" ..

الاثنين، 24 يناير، 2011

عن الجـخ وتأشيرته!

هشام الجخ حالة شعرية معاصرة مميزة للغاية وموهوب فى نظم كلماته.. أفادها التواصل التكنولوجى عبر الفيس بوك,, اتسعت خطاه فى فترة بسيطة تناسب السرعة التكنولوجية التى تحمل كلماته للأسماع قبل العيون .. ابتسمت له الحياة فى فترة قصيرة تجعله أقرب لاعبى الكرة منه إلى قبيلة الشعراء, وربما يكون هو "جدو" الشعر الحديث..أتابعه باهتمام وتجذبنى كلماته وتعبيراته وامتلاكه لشيطان شعرى مميز. أحتفظ بقصائده ويسعدنى سماعها بطريقته المميزة, وهكذا مرت الأيام القصيرة أو الشهور منذ معرفتى بشعره بالموازاة مع معرفة الشباب المصرى به عبر وسائط الإنترنت .. حتى رأيته فى مسابقة "أمير الشعراء" العربية والتى لم تجذبنى قبلا .. ولكن الحدث هذه المرة مختلف, فرض نفسه فشعر "الجخ" يصلك بدون تأشيرة".. ولكن "التأشيرة" جعلتنى أتمنى تمزيقها!

أولا: أبدأ بقصيدة "التأشيرة" كونها الحدث الأبرز بالمسابقة وبالإنترنت هذه الأيام.. قصيدة "التأشيرة" _ هى حالة شعورية مرتبطة بجائزة المسابقة ومحل المسابقة ونوعية المتابعين والجهة مانحة الجائزة أكثر منها أى شىء آخر.. وهذا مالايليق بالشعر ولا بتجربته, لذا فهى تعد من وجهة نظرى قصيدة تجارية بحتة الغرض منها مغازلة المزاج العربى الحنجورى والجماهير العربية التى لن تتوجه لشراء ديوان شعر ولكنها ستستمتع للغاية وهى تتشدق بشفاهها عل حال العرب وعزهم البائد بعد سماع القصيدة!

القصيدة تداعب الحناجر فقط الذين يهللون لأى شىء عروبوى أو إسلاموى وهى استمرار لنهج الشكوى الدائمة من كل شىء وأى شىء, وإلقاء اللوم على الحكام الذين يفرقون بين المحكومين الأطايب الذائبين عشقا فى عروبتهم ووحدتهم وأقاليمهم المتفرقة ولا يقول كفيلهم لآخر "إيش بيك يامصرى" , وأعتقد أن "الجخ" نجح فيها بامتياز أن يكون هنا تاجر ماكر أكثر منه شاعر..
وقد بلغ الهزل مداه فى بيته الجماهيرى الشعبوى "أتجمعنا يد الله وتبعدنا يد الفيفا".. متجاهلا يد الكفيل ويد المعاهدة ويد النفط ويد البدو ويد الوهابية ويد الصحراء المغربية ويد قبائل اليمن وشيعتها وقراصنة الصومال, وحلايب وشلاتين, وانفصال الجنوب, وأيادى سوداء كثيرة قد تكون الفيفا أطهرها يداً!

ثانيا : لقب أمير الشعراء ابتكره حافظ إبراهيم لشوقى بك ,, وهو حالة تاريخية متفردة, لا يجوز سرقة لقبها وإسقاطه على آخرين ,, ماذا سيكون الحال لو أصبحت "شيرين" هى كوكب الشرق لعام2011, ومن ورائها "إليسا" فى العام المقبل, وكيف سنقبل أن يطلق لقب "موحد القطرين" على حاكم ما فى تاريخنا المعاصر؟!
قد يكون هو الرئيس عمر البشير بعد توحيد دارفور وإيبى !

على كل حال هى خطيئة منظمى المسابقة أكثر منها جريمة المشاركين فيها, وهو أمر يجب ألا يفوت هيئة تعنى بالثقافة والفنون من المفترض فيها أن تحمى التراث الإنسانى والأدبى بشتى ملامحه لا أن تعبث به.. وهو ماغضضنا الطرف عنه جميعا, مثلما حدث مع برنامج قناة الجزيرة الشهير "شاهد على العصر" والذى يقدمه أحمد منصور وهو بالأساس اسم برنامج قدمه "عمر بطيشة" بالإذاعة المصرية!

ثالثا: "الجخ" موهبة شعرية فذة وأنا شخصيا أحفظ له بعض القصائد عن ظهر قلب وأستمتع بترديدها كلما أمكن .. ولكن اللقب هذا إن صح أن يكون لقبا أكثر اتساعا من قالب هشام الجخ أو ممن حوله فى المسابقة.. وكل ماقدمه الجخ لم يصل بعد لأن يحمل أى لقب سوى شاعر "ساقية الصاوى" مع كامل التقدير للساقية ودورها التنويرى والثقافى .. أو شاعر الفيس بوك0

رابعا: يحسب للجخ أنه بقدر الإمكان حفظ توازنه .. فأبواب الإعلام فتحت عليه فى زمن قصير .. كفيلة بأن تفقده عقله, وهو مازال غير مصدق ماهو فيه, ولا سنه يسمح له بأن يكون أكثر اتزانا مما هو عليه.. ويحسب عليه المبالغة فى الاستظهار والتصنع والتمثيل .. كما يحسب له فى بداية المسابقة رفضه عرض قصيدة "جحا" الشهيرة باعتبارها تنتقد الحكومة المصرية بحسب ما قال, وهو مما لا يتوافق مع مسابقة شعرية.. وإن كانت القصيدة تعد لطما على خدود الوطن وشق جيوبه على غرار "روح ماعدش ليا نفس أشوفك", أكثر منها نقدا للأنظمة المصرية التى حكمتنا متتالية!

أو مالم يقله أن الحدث الآن بدولة"عربية" وبين العرب "الأحباب/ الأشقاء" ما صنع الحداد .. والشماتة جاهزة.. كما أنه من قبل انتقد "محمد بن راشد آل مكتوم" فى أحد حفلاته بساقية الصاوى "مسجلة فيديو" باعتباره رمز سلطوى عربى كريه يرغب فى توبيخه بقصائده .. ولكنه الآن فى أرضهم يستجدى "المليون درهم" وبالتالى فلا داعى لفتح أحد الملفات لكى لا تجر بعضها بعضا !

خامسا: المسابقة التى يكون نسبة التصويت فيها عالية للجمهور على طريقة "إدى صوتك لابن بلدك" هى مسابقة إعلانية إعلامية شعبوية وليست أدبية ثقافية غير جديرة بأن تمنح لقبا فخما كهذا مع الاعتراض على اللقب بالأساس, ويصبح أبرز النقاد المحكمين بها هى شركات المحمول ..

سادسا: "الجخ" لا يصعد بالجمهور للشعر بقدر ما ينزل بالشعر إليهم, جمهوره مازال من فئة الشباب وأغلبهم ممن تفاجأ بأن هناك شعر يمكن سماعه .. يضجر بالشكوى من الوطن والحبيبة المستهلَـكة فى علاقة عاطفية جارى التشهير بها وبأيامها ووضعها فى ألبوم سيدات القيصر كازانوفا, والذى سرعان ما يتجه لله بالشكوى من حكومة ساقطة فى قصيدة تالية متقمصا دور الواعظ الحكيم الذى أفنى عمره عشقا للوطن دون المرور بدروب النساء, وهو مايناسب المزاج المصرى المعاصر المتناقض المدعى بغير مافيه فضائل وقيم وتدين قشرى سطحى .. فبدأ الشباب يسمعه, لكن لن يتعدى الشباب حدود هذه المرحلة ولا هذا الشاعر, ولا حتى هذا النوع من السماع .. فشيوع ثقافتنا السمعية أفادت هشام الجج بوفرة, وغالبا لن يستطيع غالبية المستمعين شراء ديوان وقراءته حين الطبع لعدم تقبل فكرة القراءة ذاتها!

سابعا: اعتبار الجخ لنفسه خلال برامج "التوك شو" بأنه ممثل رسمى للشعب المصرى أو للدولة المصرية فى هذه المسابقة بادعاء مبالغ فيه هو من قبيل الكوميديا السوداء, خاصة فى عبارته "احنا رايحين نجيب اللقب..ونرفع علم مصر".. ولا أبالغ لو قلت بأن الجخ فى قصيدته الأخيرة "التأشيرة" قد قدم اعتذارا ضمنيا أمام الاتهام العربى الأشهر لمصر بتخليها عن العرب, نافيا تهمة أقرب للبطحة المصرية الشهيرة على الجبهة, فكانت "التأشيرة" التى تساعده فى المرور إلى المليون درهم!
.....................................................
* الصورة بعدسة "معتز عبد العزيز" من جروب "المصرى لما يصور" بموقع Facebook.com

الخميس، 22 يوليو، 2010

تدوين فترة النقاهة!*

صادقتنى منذ بضعة سنوات, ظهرت فى حياتى على استحياء ثم زاد وجودها حتى أصبحت طاغية..
فى البدء لم أكن أدرى كنهها, فقط لاحظت بروزا بدأ يظهر فى جسدى بشكل طفيف أقنعت نفسى أن الأمر لا يعدو وهما أو سرطانا ولا وسط بينهما..أتمتع بوسوسة مخابراتية تنفعنى حينا وتجلب لى نظرات الاستهجان أحيانا.

تحدب بسيط يعترض استقامة الجلد..حسنا قد يختفى بعد أيام, إنه لا يؤلم كما أنه غير ملحوظ..
كل الأورام السرطانية لا تؤلم كما أخبرنى الأطباء..
أتجاهله إلى حين.
أنصح الأصدقاء دائما بالتعامل الطبى المبكر مع أى طارىء, وأدفعهم دفعا للكشف الطبى وعدم الاستهانة به مهما كان بسيطا, لكننى أتعامل بشكل مختلف بعض الشىء إذا ما كان الأمر يخصنى. أعطى لنفسى جرعة من التفاؤل الحذر وأؤخر زيارتى للطبيب إلى الفرصة ما بعد الأخيرة..

أكره الانتظار فى عيادات الأطباء, وأكره الجلوس فى العيادة بجانب مدخن ينتظر الدخول للطبيب, وأكره زيارات صديق للطبيب قبل الكشف على دون الاعتذار عن التعطيل, وأكره الاحتراز من العدوى من المرضى بالعيادة حيث أشعر أننى الوحيد الذى يخشاها وجميع المرضى قلوبهم من فولاذ, وأكره النظر لمريض يخرج من غرفة الكشف بالأشعات تظهر به إصابة أو عرج أو أثر لفعل طبى, وأكره لحظة نطق التشخيص من الطبيب, وأكره تعالى الطبيب وبخله بالمعلومات الدقيقة على مرضاه واعتبارهم جهلاء لا يدققون فى مسمى التشخيص وصفاته ومسبباته, كما أننى لا أتعامل مع الحقن حتى لو كانت تحمل لى الشفاء, وأكره الطبيب ذاته للأسباب السابقة إذا ماتوفرت فيه..وغالبا ما تتوفر هى!

ملحوظة: لست جبانا على أى حال فقد أُطلق على طلقة رصاص مرت فوق رأسى من قبل ولم أهتز, ولكن الحقن أعتبرها عدو عاقل يتربص بى!

لم يلحظ أحد هذا الطارىء الجديد, رغم أن المكان ظاهر للعيان, لذا فلم تنعم أعينهم علىّ بنظرات الخضة و التساؤل والنصائح التى يجب على فعلها, هذا بعد أن يقومون بتشخيص الحالة بأنفسهم, وتقديم الاقتراحات السديدة لى وما يجب على فعله, و يسردون قصص بعض من أقاربهم ومعارفهم الذين مروا بحالات مشابهة تراوحت بعد الكشف عنها بين الكيس الدهنى والحمل الكاذب!
إذن فليطمئن قلبى الأمر بسيط غير ملحوظ .. ولتخفت وسوستى قليلا..
أعلم أنها لن تخفت..

شُغلت وشَغلت نفسى بعمل إضافى جعلنى أهون من شأن هذا الطارىء الذى نما قليلا وأعلن عن نفسه بوضوح خلال فترة انشغالى, ولكن أغلب الأصدقاء لا يعلمون.. مما جعلنى أعتقد بقصر نظر الكثير من الأصدقاء أو عدم إخلاصهم لى وإخبارى بحقيقة ما يرونه قد جدّ بى, ولكننى رجحت سببا ثالثا وهو أنهم تائهون لا ينتبهون للمستجدات العظيمة فى الحياة كهذا الضيف الذى جد بحياتى!

لا أدرى كم من الوقت مر منذ ملاحظتى لهذا الطارىء أعتقد أن أننى اطمئنيت لهذا الضيف الذى حل بجسدى حتى أصبح عمره يقاس بالسنين وليس بالشهور.. حتى لحظتها لم يكن الأمر يدخل فى إطار الظهور المؤثر شكلا!

منذ عامين أعلنت عن ضيفى لبعض الأصدقاء بالعمل الذين لم يلاحظوا أى شىء قبلها, فبدأوا فى نصيحتى على الفور حتى قال لى أحدهم بلهجة الواثق : اطمئن "فلان" صاحبى كان عنده بتاعة زى دى .. والحمد لله دلوقتى ..
أنـا: خف؟
زميلى: بيتعالج بالإشعاع..
أنــا: سرطان؟
زميلى: أيوة بس زى الفل وبيتحرك ويجرى .. اطمن.
أنــا: حاضر هطمن.

بعد إخبارى للزملاء بدأ البعض الآخر يعلن لى ملاحظتهم لهذا الورم منذ فترة, وبين الفترة والأخرى يلحون على فى أخذ قرار إجراء الجراحة والآخرين يقولون اسحب عينه بحقنة وحللها, والمحايدون يقولون المكان خطر بعض الشىء بلاش عملية.. أغلب الزملاء يتراوح تخصصهم بين التجارة والآداب ولكن أكثر النصائح الطبية الدقيقة كانت تأتينى من حملة الدبلومات الفنية!

أحد الأطباء قال "نفتح ونستأصل ونحلل الورم" ووجهنى لعمل تحليل دم , فكانت نتيجته طيبة تقلل من مخاطر الإصابة بورم خبيث.. والآخر نصح بتجاهلها تماما فهى مجرد التهاب غُدى بسيط, لم يرجع بالغدة لأصلها لأن الميكروبات تجعلها دائمة فى حالة يقظة, سألت ومن أين تأتى الميكروبات سبيلها للغدة؟ .. رد على الفور : من أى حاجة حتى لو من فرشة الشعر عن طريق فروة الرأس عند الحلاق..

أعلم جيدا أنى لا أمشط شعرى بفرشاة الأحذية ولا بفرشاة جارى المريض بفيروس سى .. من أين تأتينى هذا الميكروبات التى تجعل الغدة ملتهبة لبضع سنين؟ وأى غدة تلك التى لديها استعداد للالتهاب مدى الحياة؟!

لم يقنعنى كلام الطبيب الشهير ولكنه جعلنى أرتكن للوضع الراهن لعام آخر كمخدر موضعى لوسواسى!
ذهبت له ثانية بعد كبر حجم الورم بشكل واضح أكثر من ذى قبل.. فوجدت نظرة الدهشة على وجهه, ووجهنى للجراحة.. فسألته: هكذا بدون أشعة؟!
فقال: لو عاوز.. اعمل أشعة!

ووجهنى لعمل أشعة تليفزيونية بناء على رؤيتى أنا الطبية.. وبالفعل قمت بها, لم أستطع صبرا فسألت طبيب الأشعة أخبرنى بأنها "ليبوما".. كتلة دهنية ولكن المكان ملىء بالشرايين المؤدية للمخ..المكان حساس..
بحثت على الإنترنت عن "lipoma" فوجدت من خلال عدة مواقع أنها ورم شحمى غير قابل للتحول لخبيث.. فحمدت الله وارتكنت لما أنا فيه لفترة أخرى!

أؤمن بمثل إنجليزى يقول " قِس مائة مرة واقطع مرة واحدة"..وهو مثل يناسب وسوستى على كل حال.. بعد رحلة من التفكير مدتها عام آخر قررت إجراء الجراحة بعد انتهاء كأس العالم.. بل أخذت القرار النهائى أثناء مشاهدتى للمباراة النهائية بين أسبانيا وهولندا!

قمت بالإجراءات والسؤال عن الطبيب المناسب, وللحق فكل طبيب أستفسر عنه كان يقال لى فيه قولان ..الأول أنه طبيب ماهر وليس له مثيل والقول الثانى أنه "حمار".. هكذا بلا نقاش!
فعلمت أن الوجه الآخر للمهارة فى بلادنا هى "الحمورية" وليست قلة المهارة لا سمح الله..

السؤال الثانى الهام للغاية بالنسبة لى : أى المستشفيات لا تنقل فيروس سى أو العدوى لكى أجرى بها العملية.. لمحاسن الصدف قابلت حالتين نقل لهما فيروس سى خلال عمليات جراحية بمستشفى خاصة تعد هى الأرقى بمدينتى ..الإهمال لا يعرف خاصا من عام!
استقر الرأى على مستشفى حكومى بعد التقصى عنه وجدت أنه ليس بالفخم ولكنه أيضا يتمتع بنظافة طيبة, وهذا هو مايهمنى..فتوكلت على الله.

رحلة أسبوع فى التأمين الصحى ليست بالكثير على من تلقى نصف تربيته طفلا فى طوابير الخبز..ولكنها أتت ثمرتها بنجاح.. بعد الإجراءات الإدارية و "الختم مش واضح" و حتى التحويل "للممارس" الذى حولنى للأخصائى قائلا لى : لا تخبره بالتشخيص الذى معك بالأشعة واتركه حتى يعرفها وحده دون مساعدة..فشاهدت فى كلماته حساسية بين الممارس المكتفى ببكالريوس الطب وبين من حصل على درجة أخصائى أو استشارى حتى كان يقال لى بعد إتمام الإجراءات بالتأمين الصحى : "ابسط ياعم ورقك خلاص وهتعمل العملية"!!
أنـا: هنبسط حاضر..

الجراحــة
حدد لى الطبيب موعدا الثامنة والنصف صباحا لعمل الجراحة.. ذهبت مبكرا, انتظرت فى مكان خارجى لاستقبال حالات المنتفعين بالتأمين الصحى, مكان مكشوف ولكنه خانق معتنى به بدرجة طفيفة والذباب ضيف دائم فيه..هو أقرب للشارع الخارجى منه للمستشفى. سندوتشات الفول والطعمية مع الحاضرين لا تخطئها أنف, يزدحم المكان تدريجيا, وكل مريض حاضر معه من ثلاثة لستة أشخاص!
أتى الطبيب فى العاشرة, وبدأ فى الاجراءات الإدارية معى لتحويلى للعمليات فقال لى : بكرة نعملك العملية .. فقلت: حضرتك قلت لى إنها انهاردة وأنا عملت حسابى على كده "فى خاطرى: مش ناقص قلق".. بعد بعض التململ حولنى للعمليات فى حالة "لو لقينا أوضة عمليات فاضية" مع ختم العبارة بـ "ربنا يسهل"!
هذه العبارة ظاهرها الدعاء وباطنها العذاب..رحماك ربى.

أجريت بعض الاتصالات بمعارف تجمعنا بالطبيب, قرر الطبيب إجراء الجراحة لى ولكنه لم يخبرنى إمعانا فى زيادة معدل القلق ..دخلت المستشفى لاستكمال الإجراءات والتوقيع على إقرار بمسئوليتى التامة عن نتيجة العملية والبصم بالإبهام على الإقرار .. ودفعت رسوم قدرها جنيها واحدا واستلمت إيصال مكتوب عليه "إيصال مؤقت" لم أدرى معنى للعبارة حتى الآن.. مجموع الإجراءات والصعود والهبوط والتحركات وتخليص الأختام أمر سخيف وحارق للأعصاب لمرضى سيكونون فى عمليات جراحية بعد قليل..

وفى قسم العمليات وجهونى لطابق أعلى لكى أرتدى جلبابا و إسورة تحمل اسمى ورقم خاص.. توجهت لهناك وأنا متأنف من ارتداء أى جلباب ارتداه غيرى حتى لو غسل بحامض الكبريتيك ..أعطونى "الإسورة" وربطوها حول معصمى فشعرت برهبة ما نتيجة هذا القيد الرقيق .. أخبرتهم بأن معى ملابسى الخاصة, ولا أريد جلباب المستشفى, فقالوا لى أنت جراحة يوم واحد ولن تبيت بالمستشفى, فليس لك جلباب, علمت أنهم يخشون على الجلباب أن آخذه وأرحل بعد الجراحة, وهو "عهدة"!!

لم أكن أعلم أن ملامحى تدل على أننى "حرامى غسيل" قبل هذا الموقف, شكرا لكم..
حمدت الله على خوفهم على عهدتهم فلقد جنبونى مشكلة ارتداء ملابس المستشفى..فسوف أتخيل أن كل من ارتداها قبلى هم من مرضى الأمراض المعدية التى لا تتطهر الملابس منها إلا بالحرق..هذا توتر لو تعلمون عظيم!

رجعت للعمليات فأجلسونى خارجها لمدة ساعة تقريبا..ثم قاموا بالنداء على فارتجف قلبى..اختبار قادم..
دخلت فجلست فى طرقة هى أنظف مكان بالمستشفى حتى الآن, يمنع الدخول فيها بالحذاء, وبمجرد الدخول تنتعل "شباشب" خاصة بيضاء ..وتبدو فيها آثار التطهير..طاقم التمريض بداخلها أكثر أناقة وجدية من أى قسم آخر بالمستشفى..هناك نظافة عامة تطمئن قلبى..

ها أنا أقترب من قدس الأقداس.. يبدو أنه كلما اقتربنا من غرفة العمليات يزداد الاهتمام والتعقيم..وهذا هو مايهمنى الآن!
جيد للغاية فلقد نسوا أن يسألونى لماذا لم أرتدى جلباب المستشفى؟! فلو تذكروا لأرجعونى ثانية لقسم "الجلابيب" لارتداء جلباب المستشفى, ولرفض قسم الجلابيب إعطائى "جلابية" خوفا من الهروب بها لعدم إقامتى بالمستشفى بعد الجراحة, ولهوينا لمشكلة عويصة قبل إجراء الجراحة .." هل أرتدى جلبابا أم لا أرتديه".. وهى مشكلة كفيلة بخلق صدام إدارى بين إدارة العمليات وقسم الجلابيب, يعلم الله وحده ما ستسفر عنه نتائجه!
نظراتى تائهة تجوب المكان, علمت كل شىء فيه تقريباً, لاحظت اهتمام كل أفراده بالجوانتيات وارتداء الكمامات وغطاءات الرأس الطبية .. نظرات منى للممرضات قد تفهم خطأ منهن!

هل يمكننى أن أتدبرهن فى تلك اللحظات.. قد أموت بالداخل بعد دقائق.. تذكرت حينها آلاف الصفحات التى قرأتها عن تحريم النظرة .. فأى حرام هذا الذى تفعله بك النظرة قبل الموت المحتمل, لا أعتقد أننى سأفعل الحرمات الآن, وليس هناك معنى للنظرة, ولا معنى للحرام الآن, ليس الوقت كالوقت.. قبل الموت كقبل الميلاد,,لا شىء سوى الوجود.. فقط الوجود .. ماهذا الذى يجول برأسى, تذكرت حياتنا الدينية جميعها فى لحظات, وأشفقت على ذاتى.. فقط ذاتى!

دخل الطبيب حجرة سمعت من خلالها صوته يمزح مع بعض زملائه وأنا خارجها ومضى وقت آخر, مر أربع ساعات منذ قدومى للمستشفى.. ثم نادونى للدخول للعمليات وأمرونى بعدم انتعال أى شىء ووجهونى لغرفة العمليات وأعطونى رداء أخضر فمددت للممرضة يدى لكى أرتديه فأشاحت بوجهها أن أدخل يديك فيه بالمواجهة "أمر ما يشبه زى مرضى الأمراض النفسية فى أفلام السينما", تبا لعناد الأحداث, أفلت من الجلباب فأتونى "بمريلة المجانين" تلك, لم تربطها الممرضة حول ظهرى فجعلت ذراعى داخل الكُـمّين فقط, وأبعدتها عن جسدى بقدر الإمكان.. أقنعت نفسى أن الزى نظيف ومطهر وأن من ارتداه قبلى كانوا من الحريصين على نظافتهم بكل تأكيد ..
من طرقة إلى طرقة يزداد الهدوء والنظام والنظافة..ولكن تزداد الرهبة بداخلى وتزداد الفراغات والمساحات.
وصلت للمعبد..واسعة هى حجرة العمليات, يتوسطها سرير مسطح يتساوى فيه الأمام بالخلف, وللغرفة رهبة غير عادية.. الممرضة بالداخل تسألنى: هتعمل ايه؟
أنـا: ليبوما
الممرضة تلتفت باهتمام: انت قلت ليبوما؟
أنـا: أيوة.
الممرضة: انت دكتور؟
أنـا: لا.
الممرضة: أمال عرفت الاسم ازاى؟
أنـا: من التقارير.
تبدى اندهاشا وتبتسم ثم تسألنى: هتاخد بنج كلى؟
أنـا "برجاء": ياريت يبقى موضعى.
الممرضة: حاضر, هجيبلك دكتور تخدير بيموت فى البنج الموضعى.
" بداية طيبة .. دائما أشعر أننى لو غبت عن الوعى مرة لن يعود إلى ثانية..كما أننى أخشى من هلوسات البنج فأبوح بكتمان السنين, وأشعر أن كل من سيعرف أسرارى سيبتزنى بعدها بما علمه..أوغاد!".

خرجت و عادت بطبيب تخدير شاب ملتحى ذو ابتسامة مميزة و روح تفرض عليك محبتها.. تعرف على وسألنى عن نوع الجراحة.. ورددت عليه رغبتى فى البنج الموضعى وليس الكلى..فقال لى بعد معاينة الورم : حاضر ياسيدى هعملهالك موضعى بس عاوزك تشرفنا كده وتجمد!!
قفز الرعب إلى قلبى: أشرفكم إزاى؟ هو هيبقى فى وجع؟.. ابتسم وغادر الغرفة وقال: لا .. إن شاء الله مفيش حاجة.
جالت بخاطرى القصص والتخيلات لمعنى عبارة "عاوزك تشرفنا"..جلست على السرير بتوجيه من الممرضة فى انتظار الطبيب والطاقم..
أمر طبيب التخدير الممرضة بتحضير "كربون" و"إبر أنسولين" قبل مغادرته الغرفة.
فسألت الممرضة ما علاقة "إبر الأنسولين" بالبنج الموضعى.. فقالت: هى الإبر فقط وليس بها أنسولين, نستعملها لأنها رفيعة ونضع فيها مادة البنج.

حسنا وكأن الطبيب يعلم موقفى الرافض للحقن فأتى لى بأخف أنواعها وأقصرها.
أتى طبيب صغير السن يبدو أنه خريج حديث, وتحدث معى وقال لى : هو الورم فى مكان إيه ..اللى هو!

ما كل هذا الإعجاب بخطورة الورم!

أنـا: يعنى فى خطورة؟
الطبيب الشاب: يعنى شوية.. بس عاوزة حرص علشان المكان حساس..مش عاوزة واحد يقطع فيها وأشار بإشارات السكاكين الخاصة بالجزارين وابتسم.
أنـا: انت بتتكلم جد؟!
الطبيب الشاب: يا عم بهزر معاك..سيبها على الله.

ورغم أنى بالفعل "بسيبها على الله", إلا أننى لا "أسيبها لله" إلا بعد أن أفعل كل ما على فعله بقدر الإمكان, ولا أتخيل "الله سبحانه" نائب فاعل أبدا!!

أيضا هذه العبارة تسبب لى القلق دائما حينما تصدر من أفواه المصريين, فكل حوادث القطارات والسفن والميكروباسات والعمارات المتهدمة أبطالها كانوا "سايبنها على الله"!

جال بخاطرى أن أقوم وأهرب من الغرفة وليبحثوا عن أحد غيرى يشرفهم, وعلى أن أحتفظ بالورم كصديق دائم بداخلى. مددت قدمى للقفز من فوق السرير العالى, ولكننى تراجعت, فقد قطعت شوطا طويلا حتى وصلت لهنا, هل ستضحى بكل هذا؟! وجع ساعة ولا كل ساعة..هى موتة ولا أكتر.. حتى جاء الطبيب فقطع على طريق الهرب.

بلهجة آمرة خفيضة ليس فيها أى ظود قال: "يالله نام"
أنـا: أنام على ضهرى ولا على جنبى؟
الطبيب "آمرا": نام على ضهرك.
وجه الطبيب من النوع الذى تعجز عن تحديد طبيعة ملامحه هل هو جاد أم يمزح أم يخجل من التباسط!

لا أدرى لماذا يعاملنى هكذا..هل لأنه مستشفى حكومى؟ هل هى طبيعته؟ لقد ذهبت لعيادته كما هو العرف كى يستفيد منى ماديا, ودفعت له كشفا خاصا ليس من حقه, ولكن ذهبت لكى أستوضح منه مالم أستطع الاستفسار عنه بالتأمين الصحى.. رغم أن الجراحة تابعة للتأمين الصحى, ولكن هذا هو أحد مسالك التأمين الصحى فى مصر وأحد أعرافنا الطبية, فيجب أن تكشف عند طبيب التأمين الصحى بعيادته الخاصة لكى يمنحك اهتمامه.
وفى العيادة حاولت معه أن يكون البنج موضعى, كما وعدنى أن تكون الخيوط الجراحية تجميلية لكى لا تترك أثرا يجعلنى كأرباب السوابق.

نطقت الشهادتين وسميت الله..
وبدأ التخدير بحقن كثيرة حول مكان الورم لتخدير مساحة واسعة بعض الشىء.. بعدها سمعت صوت جلدى يتمزق يشبه صوت تمزيق قطعة من القماش تماما.. لا مفر الآن, بدأ الجد ولا يمكنك التراجع..لا أستطيع أن أقول له اغلق مافتحت فلا أريد إكمال الأمر لنهايته..لم تزول فكرة الهروب من رأسى.. اصمد. وبدأ الأطباء يفحصون الورم ويشخصونه على الطبيعة..
أسمعهم وأنا مغمض العينين.
الطبيب: دى مش Lipoma ..
الطبيب الشاب المساعد: مش Lipoma يا دكتور!
الطبيب: دى ....... limpha "باقى الاسم مش واضح".
أنـا "بصوت محرج خفيض" وعيناى مغمضتان وناظرا فى الاتجاه العكسى: مش ليبوما يا دكتور؟

لم يجب أحد سؤالى .. أشعر بحرج ..سرحت بى الأفكار الكلمة دى غالبا "حاجة ليمفاوية" ..تبقى غدة... طيب مش معقولة هيستأصل الغدة.. ربما ورم فى الغدة.. يبقى الموضوع كله اختلف, وهتدخل فى موضوع سرطان.. ياعم جايز تشخيص مختلف لنوع من أنواع أى حاجة ليمفاوية قريبة التكوين من الكيس الدهنى.. حد يعبرنى طيب!!

بدأ التقطيع والتعاون بين فريق الجراحة ..أفتح عينى قليلا أجد مشهد رؤوس متزاحمة تبحلق فى وجهى وأكثر من كشاف مضىء مسلط على.. كيف سيكون شكل الزبانية؟!
من الأفضل إغماض العينين للنهاية .. مشهدهم لا يسر.

أغمضت عيناى ثانية جلبا للأمان.. ما أسمعه وأتخيله يجعلنى أقذف بالعرق زخات.. جسدى مفتوح وأنا مستيقظ وأستمع لحوارات إنجليزية.. deep, extension ومصطلحات أخرى لا أتبين معناها.. كيف ستكون الآلام بعد انتهاء مفعول البنج؟ بالتأكيد لن تقل عن آلام إبراهيم الأبيض!
أردد وراءهم : هو عميق؟ فى امتداد؟

طبيب التخدير: يا جماعة ده بيفكر فى كل جملة بنقولها, وعمال يدور الكلام فى دماغه.
الممرضة: الـ patient فاهم الكلام؟!
أنـا: آه ال patient فاهم ياستى.
طبيب التخدير: انت بتشتغل ايه؟
أنـا: " كذا"
طبيب التخدير: لا.. تبقى فاهم, حوروا اللغة بقى علشان مايفهمش.. "مع خبطتين لطيفتين على صدرى".
وبالفعل بدأوا فى تحوير الإنجليزية لكى يستعصى على الفهم..
أنـا "بعناد من سيفقد كارت رابح": ما تقلقش هفهم برضه.

بدأت المصطلحات تتردد بشكل محور, فزادت صعوبة الترجمة المتواضعة التى كنت أقوم بها!
بعدها بدأ الطبيب يجذب كتلة الورم بشكل قوى بغير أسلوب التقطيع الجراحى.. فكان يرجنى رجا كالنجار حينما يخلع مسمارا! خشيت أن أشعر بألم وكان يعترينى خوف من أن ينتهى مفعول البنج أثناء الجراحة, فانتهزت الفرصة لأطلق بعض التأوهات, كان الألم محتملا.. فقط كان يشبه من يجذبك من أذنك أو إصبعك بقوة, ولكننى تأوهت لكى لا يتناسون ألمى أو لكى "يعملوا حسابهم".. فأتانى طبيب التخدير بحقنة إضافية بتعليق لطيف منه.

فهمت حينها عبارة طبيب التخدير الغامضة "عاوزك تشرفنا كده وتجمد".. ليس للجميع القدرة على متابعة العبث بأجسادهم وتقطيعها وهم يستمتعون بهدوء!

الطبيب الشاب المساعد: دى الـ muscle يا دكتور .. دى muscle.

وضعت إحدى الممرضات مسطح ناعم أسفل ساقى بعد أن رفعت بنطالى حتى الركبة, بعد قليل سرحت فارتفعت ساقى لأعلى, فصرخت فى مؤنبة: نزل رجلك علشان ماتتكهربش.." ما هذا الأسلوب؟!.. تحدثنى وكأننى أعلم طبيعة الأجهزة.. لو كنت فى مكان آخر لجعلتك تندمين على صدفة مقابلتى.. أحرجتنى عن حق".. فى بدء الجراحة شعرت بكهرباء تمس جسدى وأخبرتهم بذلك فلم يشرحوا لى السبب!

رنة محمول تظهر فى العمليات بصوت طفل صغير.. ويرد أحدهم على الموبايل ويتحدث "عادى جدا" ..فيبدأ النقاش حول الرنات, وحول المتصل " الله هو ماجاش..طيب قول له ييجى أنا مستنيه.. لا يا سيدى فى العمليات .. يالله سلام..مستنيك أه".. تستمر المصطلحات الطبية الإنجليزية فى ملأ أجواء الغرفة, فتذكرت "سوريا" التى عربت الطب منذ سنين!

نقاش آخر بين فريق العمل عن شقاوة الطبيب و قلبه الكبير وميله للجميلات, والطبيب نفسه يشاركهم بشكل ضاحك.. الأمور ليست بالصرامة التى نراها فى التلفزيون!!
أنـا "مغمض العينين": والله انتم دكاترة عسل..
الطبيب "بدهشة نصف مازحة": احنا دكاترة عسل! احنا بنحاول نعملك جو أسرى علشان بس تحس بألفة وتضيع رهبة العملية.
أسرح قليلا.. طيب مانت حلو أهوه, أمال ليه محسسنى إنك كارهنى, أو انك مش طايقنى.. ولا يمكن اتكسف علشان اتجرأت وقلتلهم "انتم دكاترة عسل".. يمكن فك شوية وقلبه رضى عنى, أو يمكن استريح لما استأصل الورم ..مش عارف.

الممرضة: حتة دهن خرجت منك أهيه.. تاخدها لمراتك تعملك عليها بامية؟!
أنـا: يا ساتر يارب.. أنا مش متجوز.
طبيب التخدير: و هى كمان مش متجوزة.
أنـا: ده تدبيسة بقى.
الممرضة: لا ده أنا سمرا بس زى القمر" بخليط من الخجل والمزاح".
" لم أكن أرى أحدا ولكن أعتقد أنهن ممرضتان أو ثلاث"
أنـا: أنا بكلمك وأنا مغمض يعنى مش شايفك أصلاً.
ضحك عام فى غرفة العمليات, الجو العام ذو ألفة الآن, يبدو أن مراحل الاستكشاف التى تلازمها العصبية قد مرت بسلام.. الجميع الآن يمزحون لأقل كلمة!

أشتم رائحة شياط من جلدى, يبدو أنهم يكوون مكانا للنزيف, تهيم ذاكرتى لعملية كى لشعيرات دموية أجريتها فى طفولتى أثناء نزيف أنفى.. الكى بمادة نترات الــ .. الــ .. الفضة ربما..
مازلت لا أرى شيئا وعيناى مغمضتان, أشعر بقرب الانتهاء من الجراحة فقد رحل ضيفى الذى استضفته بضع سنين, ولم يتبقى سوى الرتوش النهائية. يتبقى عبء تحليل الورم, وانتظار لحظة الحكم على طبيعته..رحلة أخرى مع أضابير الصحة المصرية.. كنت دائما أتوق لرؤية هذا الشىء المستأصل, ولكننى لم أجرأ على فتح عينى وتحويل رأسى إليه لرؤيته. فى طفولتى حزنت للغاية حينما أفقت من عملية استئصال اللوزتين, ولم أجد اللوزتين بجوارى كما طلبت أن أراهما, فأخبرنى والدى أنهم تخلصوا منهما فى القمامة لأنها ملوثة.. يومها تساءلت وهل هذا التلوث لم يستطع صبرا حتى أفيق فأراها ثم يتخلصون منها!

حججهم دائما ساذجة هؤلاء الكبار حينما ينهون مواقفهم مع صغارهم, يزرعون بنا قبول الموائع.. وهو ما يسهل مأمورية الحكومة فيما, فتتسلمنا الحكومة منهم لبنة طرية معدة للاستخفاف بعقولها باقى حياتها .. نبتلع مايرددون بسهولة دون رفض أو استنكار!

سمعت من قبل أن دكتور مجدى يعقوب يتمايل على أنغام موسيقية فى غرفة العمليات ودكتور حمدى السيد لايعمل إلا على صوت فيروز, وأن هذه الطقوس هى من أساليب الأطباء لتحقيق التوازن النفسى أثناء الجراحة!

بدأ الطبيب يغلق الجرح وينتهى منه... فبدأ العرق الغزير يسيل منى وأنا أشعر بقوة يده تمتد إلى أقصاها وهو يحيك الجرح.. تخيلته كأى حائكة ملابس تخيط ثوبا أو تثبت زرارا بقميص.. شعرت وقتها أن الجرح مساحته مترا, رغم أنه يفترض أنه صغير نوعا ما!

انتهى الطبيب من الجراحة فى مدة أقل من نصف الساعة, ولكنها كثيرة التفاصيل.. شىء عسير أن تشاهد جسدك مفتوحا وهناك من يعبث به.
شكرت فريق عمل الجراحة بصدق, ودعوت لهم جميعا بإخلاص.
وعاد الطبيب للهجته الآمرة: خلاص يالله قوم .. لم أستطع النهوض بسهولة فساعدنى وقال: خلاص اتفضل.. سألته هل أغلقت الجرح بتجميل؟ .. قال: لا, كنت هحتاج أعمل "كذا/ مصطلحات طبية ",عموما أنا عملتلك الصح..
أنـا "فى سرى" : كده الجرح هيسيب أثر..هتشوهنى الله يخرب بيتك.

خرجت من الجراحة على قدمى كما دخلتها..شاهدتنى أمى وأنا بالخارج فكأنها ردت روحها ولم تصدق أننى أمامها بهذه السرعة واقفا, كانت تقرأ قرآنا, ولم أكن أنا نفسى أصدق.
بمجرد جلوسى حدث هبوط فى ضغط الدم من تأثير رهبة معايشة الجراحة, فشعرت بدوار وعرق وهبوط, فساندنى عمال العمليات للدخول لغرفة الإفاقة.. رفضت الجلوكوز لأن به حقن.. استرحت قليلا وخرجت ماشيا إلى أمى المتلهفة على رؤيتى, والتى أصابها ماحدث بقلق بالغ... رفض الطبيب تحليل الورم قائلا: أنه لا يستحق وأنه لا خوف على!!
.......................................................
*الاعتذار لروح عمنا "نجيب محفوظ" على استعارتى ثلثى عنوانه "أحلام فترة النقاهة".
* تجربة حقيقية مررت بها.
* الصورة بعدسة Imran Choudhury من جروب In Focus من موقع Facebook.com

الأحد، 6 يونيو، 2010

فى وداع رجل نبيل!

أديب الدراما التليفزيونية المصرية تركنا وخلا مكانه شاغرا, وحتى الآن لم أستوعب وفاته, بعض البشر لا نتخيل أنهم قد يفارقون ذات يوم لثقل تأثيرهم فى حياتنا, ولإثرائهم حياتنا بما يعجز عنه غالب البشر أن يضيفوه.
ملأ هذا الرجل حياتى كـأب بلا أدنى مبالغة بما أضفاه على شخصيتى وعقلى من صقْـل ومعرفة وتفكير دائر, وتوجه فكرى عام يصعب على مفارقته أو أن يفارقنى هو. ورغم أننى لم أعتد بكاء الأقارب فور رحيلهم, لمشكلة لدى فى استيعاب فكرة الموت سريعا, إلا أن هذا الرجل بكيته بلوعة من يشتاق للحظة عودة واحدة و سماع لثغة "الراء" المميزة بنبرته.. لم ألتقى "أسامة أنور عكاشة" يوماً!

شخصيات "أسامة أنور عكاشة" لن تغادر مكانها يوما لدى من شاهدوها وقت تكوينها, وتحولها من الورق إلى الشاشة, فالباشا والعمدة والهانم وسماسم العدلى والمعلم زينهم السماحى و الشهيد طه السماحى وبـِسة والخُمس و السبعاوية و د.مفيد أبو الغار وفضة المعداوى و حمو وصقر الحلوانى والحسينى وزينب وأبو العلا البشرى و أبلة حكمت والأستاذة مارسيل وسيادة القبطان وبِـِشر عامر عبد الظاهر وعائلة الشراغيش وحسن أرابيسك وعمارة و الأستاذ وفائى و الدكتور برهان والدكتورة ممتاز محل ووفية ولبيبة هى شخصيات من لحم ودم حية ترزق بيننا, تمارس حياتها حتى بعد أن تقوم من أمام التلفاز لانتهاء الحلقة وتلقانا فى اليوم التالى منهكة مثلنا من عناء يوم جديد قد مر!

مثقف من طراز راقى وكاتب لا يكتب للاسترزاق ولكن للتأثير والتغيير والمقاومة والخلود..
لم يكتب فقط للتليفزيون ولكن حتى أعماله السينمائية تشهد له بالتميز فمن يشاهد فيلم "كتيبة الإعدام" يعلم أن العبقرية متأصلة فى دماء هذا الرجل. بالأمس أذاع له التليفزيون المصرى على قناته الأولى مسرحية "الناس اللى فى التالت" تموج بآلام هذه البلد.. أذاعها التليفزيون ليلة 4_5 يونيو 2010م, ولم ينسى التليفزيون المصرى أن يعرضها فى الساعة الثانية صباحا لكى لا يشاهدها أحد.. المسرحية سياسية اجتماعية كاشفة من العيار المؤلم!

تحدثت "منى الشاذلى" فى حلقة تأبين "أسامة أنور عكاشة" ببرنامج "العاشرة مساء" يوم الأحد 30 مايو2010م عن مسلسل إذاعى كتبه منذ عامين يتناول قصة لشخص أجنبى يعيش داخل حى شعبى مصرى منذ فترة طويلة متخفيا فى شخصية مستعارة, وذكرت أنه بعد فترة طويلة وجدت قصة مشابهة حقيقة تناولتها صفحات الحوادث بصحف القاهرة..فى الحقيقة لم يتسنى لى متابعة هذا المسلسل الإذاعى ولا هذه القضية المريبة محل الحديث, ولكنها كانت تستشهد بها وكأنها نبوءة أو توقع مستقبلى لأسامة أنور عكاشة انتقل من الورق للواقع دون رابط فعلى بينهما!

مقالات أسامة أنور عكاشة كانت أيضاً تنم عن معرفة متشعبة وثقافة رفيعة الطراز وعقلية موسوعية, ومعاركه للدفاع عن ما كتب كانت مرهقة لتكسيره لبعض التابوهات والأصنام الاجتماعية نقله لخانة المغضوب عليهم سياسياً ودينياً واجتماعيا, فالذين ينافقون التاريخ منتشرون فيما بيننا, والذين يقدسونه أكثر, والذين ينافقون العوام أكثر وأكثر!
هاجم "عمرو ابن العاص" بشدة وثبت على رأيه بشأنه رغم مكانة "عمرو بن العاص" فى مصر بالأخص, وكتب مقالا قويا بعنوان (من أنجبن البغايا؟) * واشتهر المقال بعنوان "أبناء الزنا كيف صاروا أمراء للمسلمين" سجل خلاله "قرفه" الشخصى من خط سير تاريخنا ومن الذين سيروه وصيروه بهذا الشكل الذى هو عليه حتى الآن!

كان هذا المقال فى إطار مراجعته الفكرية للكفران بفكرة القومية المنتحرة, حتى ذكرها فيما بعد بنقابة الصحفيين فى 23 أبريل 2007م بأن جميع العرب يكرهون مصر وإذا أردنا الحفاظ على مصر فعلينا إبعادها عنهم لأنهم خطر على مصر!
كتب أسامة فنون الكتابة جميعها ربما باستثناء الشعر, فالدراما التليفزيونية "ملعبه الأساسى" والسينما و المسرح و الدراما الإذاعية والرواية والقصة القصيرة والمقال ..

أنقل هنا جزء من مقال له نشره فى جريدة الأهرام المصرية فى عام 2002م, كان يتحدث عن السفسطة و التلاعب بالألفاظ, وكيف يمكن أن تؤدى العبارة الواحدة للمعنى ونقيضه فى آن واحد, نقلت القصة من المقال فى كراسة خاصة ثم ضاع منى المقال بعد حفظه رقميا بـ "الاسكانر" فى عملية عطب تافهة لـ "الهارد ديسك" الخاص بجهازى, والذى يحمل أرشيفا صحفيا خاصا لآلاف المقالات والموضوعات وصحفا قديمة بأكملها وضاع ما أعتبره ثروة خاصة ومجهود عامين كاملين لأرشفة هذه الثروة رقمياً هباءً.. ولله الحمد والمنة!
حكاية جورجيادس وتلميذه**
" كان جورجيادس.. وهو واحد من أشهر فلاسفة السفسطائيين- يرتزق من العمل بالمحاماة .. وكانت له فى هذه المهنة شهرة عريضة أغرت أحدهم - وهو شاب ماجن غضب عليه أبوه الثرى فحرمه من أمواله وقاطعه - بأن يفكر بدوره فى تعلم المهارة السفسطائية ليشتغل بالمحاماة ويرتزق منها.

فجاء إلى "جورجيادس" وطلب منه أن يعلمه وصارحه بأنه مفلس ولا يستطيع أن يدفع له أجر تعليمه .. ولكنه عرض عليه أن يتشاطرا فى عقد مكتوب بأن يدفع الفتى أجر معلمه من أتعاب أول قضية يكسبها بعد اكتمال تعليمه وامتهانه للحرفة!
وقد كان .. وجَـهُد الأستاذ فى تعليم الفتى حتى سقاه كل أسرار البراعة السفسطائية ومنطقها .. وأصبح جاهزا لممارسة المهنة. وبقى "جورجيادس" يفرك يديه فى انتظار أجره المجزى الذى لابد أن يدفعه تلميذه بمجرد أن تسند إليه قضيته الأولى, لكن الرجل كان ينتظر على غير طائل.

فقد حدث أن تصالح الفتى مع أبيه وعاد إلى جنته ليرتع ثانية فى حياة الرفاهية, وبالتالى لم يعد فى حاجة لأن يمارس مهنة المحاماة. واستشاط "جورجيادس" غضباً وهرع إلى تلميذه يطالبه بأجره ..فباغته الفتى وهو يضحك ساخرا بإجابة مفحمة: "عفوا يا أستاذى العزيز, فالعقد المبرم بيننا أن تتقاضى أجرك من أتعاب أول قضية أكسبها, وأنا كما ترى, لا توجد لدى قضايا حتى أكسبها أو أخسرها!"

وأسقط فى يد الفيلسوف الشيخ وهو يجر أذيال الخيبة, لولا أن أسعفه ذهنه المدرب على المنطق السفسطائى بفكرة باهرة, فانثنى إلى تلميذه الجاحد قائلا: "إذن يا تلميذى النابه فقد قررت أن أرفع عليك قضية أمام المحكمة الأثينية الموقرة, أطالبك فيها بأجرى, فإذا كسبتها أنا فسأتقاضى أجرى منك بحكم المحكمة, وإذا كسبتها أنت فسأتقاضى أجرى منك بحكم العقد المبرم بيننا..أى أننى سأحصل على أجرى فى كلتا الحالتين!"
فإذا بالفتى التلميذ يبادره وهو يضحك ساخرا: "كلا ياسيدى جورجيادس المحترم .. فلن تنال أجرك فى أى من الحالتين .. إذا حكمت لك المحكمة أكون قد خسرت القضية ولن تتقاضى أجرك بحكم العقد .. أما إذا حكمت لى المحكمة فلن أدفع لك بمقتضى حكم القضاء!"
وهكذا تغلق الدائرة المفرغة على لاشىء!
وأعطى المنطق السفسطائى صفته لكل حوار أو جدال لا يصل إلى غاية أو يكون هو الغاية فى حد ذاته! "
الله يرحمك يا عم أسامة.
..............................................................
* اقرأ مقال "من أنجبن البغايا" من هنا
** النص منقول حرفيا من المقال المشار إليه دون أى تصرف.

الجمعة، 5 مارس، 2010

فى السقوط والصعود !

تستحق هى أن نتناولها.. فكثيرا ما منحتنا السند المعنوى فى الأوقات الصعبة - وللحق فكل أوقاتنا صعبة- بأن هذه الأرض لا تنضب ومازال بها نبض الحياة ورحيق الأمل... نلقاها يوميا لنلقى وجها حسنا وروحا مبشرة ومتابعة دءوب واطلاع رفيع وانتماء وطنى لا يفتر, وهم لنا تحمله معنا رغم انتمائها المؤكد لشريحة اجتماعية عليا لا ننتمى إليها فى معظمنا. فاعتبرها الكثيرون لسانهم الذى لا يخشى القطع ومنحوها ثقتهم رغم عدم متابعتهم اليومية للبرنامج!

هكذا عهدناها "منى الشاذلى", ولكن ما فات ليس هو سبب التناول والعرْض الآن فى توقيت يحمل عنوان" مصر والبرادعى وعلامة استفهام"!

سبق وأن ذكرت منى الشاذلى فى إطار الحديث عن أزمة مباراة الجزائر ووصفت أدائها بالمرتبك وأنها قامت بأسوأ أداء تليفزيونى لها بحسب ما رأيت منها حينها واعتبرتها مرتبكة بين "القومية الملتبسة ومتطلباتها" وبين المصريين الذين يستنجدون بها على الهواء من الجزائر يطلبون غوث الدولة المصرية من "الإجرام الجزائرى" فتصد حديثهم بتعاقل مستفز!

حينها كان التقدير السىء الذى يحمل اختيار صاحبه, قبلها وفى حلقة استضافت فيها "أحمد عز" أمين التنظيم بالحزب الوطنى وعضو لجنة السياسات بالحزب ومحتكر سوق الحديد بمصر فى وقت وصل فيه سعر طن الحديد لما يربو على الثمانية آلاف جنيه. وكانت حلقة"ضعف الأداء" فيها معها فيه العذر, فقد واجهت منى الشاذلى "عـز" بتحدى وحدة أحيانا ولكن خانها الإعداد للحلقة, فـعز يستطيع الحديث بلباقة و استطاع أن يضعها فى مصاف "غير الفاهم" لأن الحديث اقتصادى بحت وهو مالم تستطع منى الشاذلى مجاراته فيه, وما كان الإعداد للحلقة على القدر اللازم.. فيبدو أن منى الشاذلى توقعت أنها ستحاصر مجرما عتيداً استنادا لسمعته فى الشارع المصرى.. ولكن أين المستندات؟!

وبقى الحل فى المداخلات التليفونية التى قد يأتى من بينها من هو خبير بحديث الأرقام والسندات والحافظات بجانب الكثير من الكارهين لعز وهو احتمال نسبة حدوثه عالية, فمن بين أى عشرة مواطنين غالبا ستجد 9 يكرهونه والعاشر يتمنى قتله, مما يمثل سندا لها فى هذه الورطة ... وقد كانت الحلقة بحق مليئة بدعاء العاجزين على "عز" على الهواء مباشرة عبر المكالمات منها مكالمة ضابط جيش سابق اتهمه بأنه السبب فى عجزه عن تزويج ابنه الشاب, ثم اتصل اللواء فاروق المقرحى مساعد وزير الداخلية لمباحث الأموال العامة "السابق" وعضو مجلس الشعب "الحالى" ووضع أحمد عز فى مأزق بما يملكه من مستندات ومكذبا له فى بعض مما قاله,و قد صرح قبلا بأن والد أحمد عز قد اعتقل فى عهد زكى بدر وزير الداخلية الأسبق لإتجاره فى العملة , مما حفظ للحلقة توازنها وخرجت الأطراف متعادلة بمساعدة الآخرين!
فى هذه الحلقة كان لمنى الشاذلى الإرادة والحق وإن لم تمتلك الحجة والدلائل..أما فى متابعتها أزمة الجزائر فلم تملك أيا منهما!

منى الشاذلى تصعد بصفة أكبر من كونها إعلامية منذ انتقالها لدريم وربما يرجع إليها الفضل فى الانتقال بدريم من مرحلة "هالة شو" إلى مرحلة العرض السياسى.. وربما لولا تألق منى الشاذلى لتوقفت دريم أو كانت سقطت من حسابات المتابعة الجادة!
فرضت مصداقيتها حتى أصبحت تخاطب بلقب "أستاذة" من قِبل ضيوفها على اختلاف درجاتهم الثقافية والاجتماعية وذلك بدلا من لقب "مدام".. وللفظ دلالة لا تخطئها أذن ... حتى وضعها الشاعر "جمال بخيت" أحد الأصوات الصادقة فى مصر المعاصرة- ضمن رموز مصرية فى قصيدة مؤلمة له بعنوان "مدد" ..
هاتى المدد يا منى الشاذلى لا تخافى يوم ولا تتنازلى
وصورى مصنع غزلــــى ف الاعتصام العمالـــــــى

مكانة عالية طالتها ولا شك.. خاصة وإن وضعنا فى الاعتبار ورود اسمها فى القصيدة وسط أسماء كجمال عبد الناصر_ سكينة فؤاد_ محمد حسنين هيكل_ كامل زهيرى_ عبد الوهاب المسيرى_ جورج إسحق_ نهى الزينى!

وجاء البرادعى ....
لما سبق كان من الطبيعى أن يختص د/ محمد البرادعى الإعلامية "منى الشاذلى" و برنامجها "العاشرة مساءً" بالحوار المباشر الوحيد له حتى الآن بمصر بعد مجيئه الجماهيرى لمصر يوم 19فبراير 2010م, خاصة أن فارق المصداقية بينها وبين منافسيها كبير!
ظاهر الأمر يؤدى لأن "منى الشاذلى" ستكون"برادعوية" من طراز رفيع..المقدمات تدل على هذا والقواسم المشتركة متنوعة, واسم البرادعى كفيل بأن ينضم لرموز قصيدة الشاعر جمال بخيت..وترحيب زميلها فى قناة دريم2"أحمد المسلمانى" فى برنامج الطبعة الأولى بالبرادعى من فيينا يشير لنفس الاتجاه..

مر وقت من الحلقة المرتقبة و الظن فى محله ليس لأن "منى الشاذلى" لم تخيبه, ولكن لأنه لم يكن هناك توقع آخر يمكن أن يشغلنا عن متابعة البرادعى.. فالبرادعى يخطف الكاميرا والأعين مركزة عليه مترقبة أن يسخن الحوار بين لحظة وأخرى.. ولا يهم من يحاوره الآن.. وللحق الرجل يقول ما يريد دون أى تشنج ..حتى اقترب وقت الحلقة من نهايته و قد تاه منها الموقف وصدقت هى نفسها وجعلتنا نصدق معها أنها حيادية تماما بل تكاد تكون مذيعة فى محطة السى إن إن الأمريكية تشاهد مصر من خلف زجاج بناية ضخمة فى نيويورك.. تتفنن فى اصطناع الحيادية التى تقترب أحيانا من البلاهة ..خاصة فى ردها الهزيل على جملته "الناس تعبانين يا منى" فردت فى سرعة "وفى ناس تانيين مرتاحين"!!
محصلة الحلقة .. صورة الرئيس " الدكتور" تخيف من تعودوا على بسط العلاقات مع الجميع وإن انتموا ظاهريا للمطحونين, إلا أن التركيبة الاجتماعية الجديدة تفرض عليهم انتماءها الذى يصعب الفكاك منه!

حسن الظن مطلوب, لكن فى حالتنا تلك أعتقد أن منى الشاذلى أرسلت برسالة مفادها "لا أحتاج لحسن الظن"..
وصول الإنسان لمكان ومكانة ما عبر طريق وعـر وخطر يجعله دوما غير مستعد لفقدانه, وهى من سمات الحضارات المستقرة التى تعتز بالأرض, ولكن هناك ظرف من عدم الاستقرار بمصر يجعلنا نتوقع العصف بجميع من وصلوا لأى مكان أو مكانة.. حيث الوصول تم تحت عنوان "مع الشعب" وحينما تعتز بأنك قد وصلت وتتجاهل طريق الوصول فهذه هى بداية السقوط والانضمام لخانة المستقرين مع المنظومة.. وحينها فلا يهم التغيير, بل إن التغيير قد أصبح ضد مصالحك وإلا فأنت مهدد بهدم ما بنيته!

اتصال من "هويدا طه" معدة البرامج الوثائقية بقناة الجزيرة والتى لها قضية سابقة فى محكمة أمن الدولة لتصوير فيلم عن التعذيب فى أقسام الشرطة المصرية هاجمت فيه النظام المصرى والأوضاع التى نحياها, واهتمت بسؤالها عن مسار قضيتها وما وصلت إليه واتصال آخر من المخرج السينمائى "أحمد ماهر" انشغلت منى الشاذلى فى الرد عليهما بتوابع اتصالاتهم وما قد يلاقوه من ملاحقات أمنية فى نهاية كل اتصال بشكل يبدو مازحاً... وتعلم أن الرسالة ليست لهويدا أو لأحمد ماهر وإنما للمشاهدين و لجماهير مصر "تحذير بعين حمراء باسمة", فهؤلاء هم المشاهير وقد تطولهما يد الداخلية لمجرد التعاطف مع دعوة البرادعى فما بالنا بالمتفرج المتردد وهو بلا سند ولا ظهر ..
وباتباع حسن الظن أيضا قد نعتبرها سقطة منها ولكن من الصعب قبول تكرار السقطة مرتين فى حلقة هامة كتلك..

اجتهدت منى الشاذلى فى التشكيك فى أعداد المستقبلين للبرادعى بمحاولة عرض التقارير الصحفية التى ذكرت الأعداد بأرقام مختلفة وحاولت فى النهاية الظهور بحيادية من تعرض من بعيد على طريقة "أنا ماعرفشى هم اللى بيقولوا".

لم تستطع "منى" أو بالأدق لم ترد أن تبرز د. البرادعى بما يليق بـه وبدعوته الهامة لتغيير وضع مصر للأفضل, واعتمدت على إظهاره فى صورة الرجل المثير للتساؤلات- هل أنت غامض أم تعرف ماتريد أم صبور أم صامت لا تتحدث, ماذا فى ذهنك, ماذا وراء هدوءك؟- عينة من مخاطبة منى الشاذلى للدكتور البرادعى باعتباره شخصا لم يقل شيئا ومن لم يقل فليصمت للأبد, و هل سينتخب الشعب شخصا صامتا لا يتحدث ولا يقول ما لديه والأسوأ أنه قادم من "بره" لا أحد يعلم بما فى جعبة هذا الساحر الأوروبى الغامض الذى يقول أنه ليس هدفه الرئاسة لنفسه, هكذا صار البرادعى وكأنه لم يقل شيئا ولا يريد الحكم و قال مالا يفهم, وكأن لغته التى يتحدثها غير لغتنا العقيمة فاحتاج الأمر لمترجمة بارعة لكى تنقل لنا "لامعنى ولاشىء" فيبدو الرجل "خواجة" مثير للغثيان فى نظر نصف المتابع ونصف الواعى وما أكثرهم, وتزداد الصورة غيماً!!

نهاية الحلقة جعلت الفارق بين حوار د. البرادعى مع منى الشاذلى فى مصر و حواره فى فيينا مع عمرو أديب قبلها بأيام معدوماً..والفارق فقط فى جدية التقديم التى تتفوق فيها منى الشاذلى.. وهذه وحدها تعد إهانة لها..

قد يكون العنصر الحيادى للإعلامى من مهام مهنته ولكنه أيضا حياد محسوب وليس مطلقا..ولكن فى وسط حراك وغليان كالذى يجرى تحت السطح بمصر ومع قدوم شخص دكتور. محمد البرادعى تصبح الحيادية بشكل عام من المهازل والسقطات الكبرى, هذا بفرض أنه مجرد حياد, وليس نفور من وانجذاب إلى!!
استفادة البرادعى من الحوار جاءت من تاريخ البرنامج واسم المحاورة وما بنته سابقاً من مصداقية, وما استطاع هو بهدوء أن يبعث به للشعب المصرى.

لا أتهم "منى الشاذلى" بالانضمام لمعسكرالحكومة المصرية, وإنما بالحرص على مصالحها الشخصية وهى مساحة وسطى كفيلة بإفساد أطهر من بيننا وتجعله جزء من النظام يستفيد منه النظام بالتدريج دون أن يشعر..*

فليس لمنى الشاذلى أو لغيرها أن تتعامل مع المتلقى بطريقة من يرسل برسالة مشفرة أوبخطاب مستتر ولا علينا أن نقوم بتأويل المعنى بالتفسير الأكثر براءة, وليس لها أن تضعنا فى مصاف المؤولين لكلامها أو المتسائلين حول موقفها, فهذا يعد استخفافا بالمتلقى و إمساكاً بالعصا من المنتصف وتصنع دور الإله صاحب "النص" الذى يختلط على العباد تفسيره فيختلفون فيما بينهم.. وانتظارا للحظة الحسم لتعلن بعدها موقف بارد متذبذب من فوق قمة اجتماعية لا تريد لها زلزلة!
كنت أود أن أكون حسن الظن ولكن ليس الوقت ولا الوضع يسمحان بهذا..
وعليها إن أرادت بقاءً حيويا فاعلا اتباع نصيحة أبيات جمال بخيت "لا تخافى ولا يوم تتنازلى"..فلن تشفع لها رقة ملامحها وبراءة وجهها ولقب السندريلا فى تحسين الصورة الجديدة الباهتة التى تتلبسها بالتدريج الآن!
.................................................................................
الصورة بعدسة "أيمن جمال" من جروب "المصرى لما يصور" من موقع "Facebook.com".
*وجهة نظر للكاتب "وائل عبد الفتاح" بموقع " الأخبار" اللبنانية.

الأحد، 10 يناير، 2010

شهداء..غضب واجب الوجود!

فلنستمر.. كما نحن وبلا تردد..نحن الأفضل..نحن الأقوم ..نحن الأعلون..نحن الفاتحون والقادمون
وما سقوطنا إلا كبوة جواد.. نحن من نمتلك الحقيقة والباقين هم كومبارس الحياة ووقود نار الآخرة.. نحن الآدميين وهم أشباه الآدميين فنصفهم قردة وخنازير ونصفهم أشباه بشر, خلقوا من أجل أن ننال لكفرهم ثوابا يضعنا فى الجنة بلا حساب نتلقى التهانى الملائكية لتحملنا ثقل ظلهم طوال فترة حياتنا الدنيا, فكم ابتسمنا لهم ابتسامات صفراء!
هكذا الأمر ليس إلا ..كتبت لنا السيادة وكتبت عليهم المهانة والخزى.. تلك حياتنا وهذا قدرنا.. وهل نمتلك إلا القدر لندارى به رسوخ قبحنا؟!

إلى روح الشهيد مجند "أحمد شعبان" و أرواح شهداء "نجع حمادى" .. أعتذر!


أعتذر عن قيح يكبر ويتضخم بصفة الفكر والقناعة والإيمان حتى يصير سلاح يطعن غدرا..أعتذر عن وضاعة بعض من أهلنا ومن جيراننا ممن آمنوا أكثر من اللازم بما لا يلزم الإيمان بـه, فبعثوا بأجسادكم سريعا إلى حيث يجب أن يكونوا هم أسفل دبيب الأحياء..
هم الذين كرهوا الحياة فأخرجوكم منها.. وماكان لهم هذا, فكاره الحياة أحق بأن يتركها لمن يقدرها لا أن يُخرِج منها الآخرين!

أعتذر عن ضعف يعترينا وقبح يميزنا و نفاق ألفناه حتى صار منا.. أعتذر عمن لم يهتم بكم واستمر يمارس نشاطات حياته التافهة دون لحظات توقف واهتمام ..أعتذر عن حمقى كان همهم ليلة أن غدروكم الإصرار على استمرار منهجهم دون وازع من ضمير أو غلالة من إنسانية.. ومازالوا يبثون صديدهم فى خلايا العقول المستقبلة دون أن يجدوا من يتصدى أو يسائل!

فمنكم من بعث ليحمى أرضنا ووجودنا فقتله دعاة الموت سلما وحربا وحين الفرح.. ومنكم من خرج يبحث عن بهجة الروح فى موعد بعث كلمة الله, فبعثه سفراء الموت لآخرته غدرا!
عقود متتالية نتساءل ما السبب ونضع الإجابات ونتركها كما هى دون موقف صارم يتخذ منحى الحلول..ثم نندهش من نشوء جديد من الملوثات الواصمة لنا بالغباء والجهل والمرض!

نحن الذين نتعامل بكل معانى الـ "نحن" حين الحاجة.. نحن الذين نستخدم "نحن" تقية وجبنا!
نحن الذين نبحث عن الخسة لندعو بها إلى عقائدنا ونحمل سلاحا لنثبت به للعالم أننا متسامحون!
نحن المرضى الذين ندفن أحياءنا صغارا غدرا لنقدس أمواتنا جثثا ورمما بالية.
نحن الذين ننافق الإله ولا نخجل, نحن الناهشين للحوم الغير المدعين بغير ما فينا, نحن الذين أصبحنا أوراما سرطانية تزيد خطورتها يوما بعد يوم و للسخرية أننا الذين نريد استئصال المعافَى!
نحن الذين نقتل أنفسنا ونكره أنفسنا ونحطم دواعى وجودنا من أجل خاطر أنصاف المؤمنين هناك وهنالك كى ننال ببركة كراهيتنا لنفسنا بعضا من رضاهم ورضا الله!
أعتذر عمن يحكموننا ولا يستطيعون إدارة شئوننا إلا بالمكر والغباء وترك مصائرنا معلقة فى أيدى المتطرفين والبلطجية والتجار وأمراء الرمال النفطية يفعلون بنا ما تشاء مشيئتهم العفنة!
أعتذر إليكم عن صمتنا المرضى وقبولنا لكل مقدراتنا الوضيعة و تسليم عقولنا لمرضى الفضائيات الدينية يبثون فيها مايشاءون حتى يسير الملايين وراء صدفة أوصلت كهل بدائى لمقعد أمام عدسة كاميرا تليفزيونية!
أعتذر إليكم عن كل التافهين الذين أداروا ظهورهم لكم تعاليا واستخفافا بحياتكم ووجودكم ودينكم و عيدكم!
أعتذر إليكم عمن اعتبر من يحميه هو مانع رحمة عن الضفة الأخرى لا يستحق أكثر من تمتمة شفاه ليس لها معنى!
أعتذر إليكم عن بلاهتنا التى اقتربت بنا من حيز الانقراض البيولوجى, وجعلتنا لا ندرى أمِنّا أنتم أم من أعدائنا!!
أعتذر إلى طُهركم الذى نفتقده نحن من نسير فوق جثثكم الطاهرة وندب فوقها بأقدامنا بلا حياء ولا خجل ولا شعور بأدنى ذنب!
.....................................................
*الصورة للشهيدين مجند "أحمد شعبان" و "أبانوب كمال" لقيا مصرعهما فى 6 يناير 2010م فى رفح ونجع حمادى.

الأربعاء، 25 نوفمبر، 2009

تثاقُـف المتثاقفـين.."هوامش على دفتر الأزمة" !!

"ليست للأشجار أوراق أخيرة" .. حكمة أراها تنطبق على الغصون التى خرجت من مصر بعد أن توهم الجميع أن الأرض قد جفت وبارت ... تفرعت غضبا و توحدت فجمعتنا "خلال الأزمة الجزائرية" بشكل لم أره من قبل, وربما كان أقرب توحد كان فى يونيو 1995م بعد عودة الرئيس مبارك من أديس بابا بعد محاولة اغتياله هناك أثناء ذهابة لمؤتمر القمة الأفريقية, لأسباب تتعلق بغدر ما يحيق بالوطن ككل وإحساس بالخوف من فقدان الوطن ومكانة رئيس الدولة وقت الخطر بغض النظر عن الأزمات الداخلية و"الموقف من الرئيس" والتى تتوارى عن حق تلقائيا فى مثل تلك الأوقات!


لأسباب تتعلق بثقتى فى عقلى وعدم إيمانى بوجود إله للفكر والثقافة على الأرض, وليقينى بأن عدد لا بأس به متصدرى المشهد الثقافى فى مصر هم فى حقيقة الأمر من البلداء و النائمين ذهنيا.. فلقد كشفت تلك الأحداث عن عورات كثيرة داخلية وإقليمية.. فمما اعتدنا عليه خلال الفترات الماضية النقد الذاتى العنيف فقط "وأنا نفسى أشارك فيه" مع قليل من النظر للآخر فى خطأ ضخم ينبنى على مقارنة يتم فيها وضع الآخر كثابت والذات كمتحرك, ثم القياس على هذا الوضع فتكون نتائج القياس بعيدة عن الواقع بدرجة كبيرة, حتى نفاجأ بأن الآخر الإقليمى قد أصبح فى خانة بعيدة عن الكلاسيكية المتوهمة فى ذهننا.. وأنه يرسل لك فى أرض محايدة من يكسر عينك ويهين من أرسلتهم إلى نفس المضمار!
فى واقعة جديدها أنها خلطت الشعبى بالحكومى بالإعلامى لدى الآخر.. وهو ما قد فاجأ المسئولين والحزبيين و الشعب أيضا لدينا.. فالتغير لدى الآخر قد تعدى الحدود بما يمس اسم الوطن وكرامته ووضع قيادته فى حرج بالغ, والعنف بادى رغم محاولة بعض "العميان ومستعذبى الإهانة" لدينا أن يتجاهلوه بشعارات قومية عقيمة وابتزاز دينى قبيح باسم وحدة العقيدة!

فى أول ليالى الأزمة مساء 18 نوفمبر2009م وفى الساعات الأولى من 19 نوفمبر..نفر الكثيرون عروقهم مهددين بنفض ثوب الأخوة المبالغ فى تخيلها فاعتذر مجدى الجلاد رئيس تحرير المصرى اليوم عن مبادرة وردة لكل جزائرى التى تبناها عبر جريدته, ثم ظهر انكسار شوبير وتراجعه واضحا عبر تليفزيون الحياة من أجل تراكم الأزمات عليه و ظهر مصطفى بكرى - رئيس تحرير جريدة الأسبوع وعضو مجلس الشعب- يوشك أن يلقى بقوميته الأيديلوجية فى الأرض ويطالب الحكومة بالرحيل فى ستين داهية "على حسب تعبيره" إن هى لم تستطيع أن تحمى مواطنيها.. كذا غير "وائل الإبراشى من نبرته ونظرته " بعدما كان محتجزا أو مختبئا بمطعم فى السودان" و نال جزاء وسطيته وتعقله الذى كان يمارسه أمام الإعلام المصرى حتى آخر لقاء تليفزيونى له ليلة اللقاء.. وقاد "عمرو أديب" عملية إجلاء المصريون من السودان من استوديو "القاهرة اليوم" فيما يشبه غرفة عمليات عسكرية كحلقة الوصل بين الأجهزة المصرية المتابعة والمصريين المحاصرين أو التائهين بشوارع السودان فى واقعة أعتقد أننا وضعنا فيها ابتكارا استراتيجيا مصريا كوميديا !!

المذيعة منى الشاذلى ظهرت مرتبكة لا تستطيع تحديد مشاعرها قبل المباراة فى أسوأ أداء تليفزيونى لها .. ففى البداية كانت تقطع على المتصلين المصريين من الجزائر حديثهم بأسلوب التليفزيون المصرى الرسمى متهمة المتصل بالمبالغة والتهويل قاطعة عليه شكواه, رغم أن المتصلين كانوا فى غالبيتهم يطلبون النجدة بشكل غير مبالغ فيه, هذا قبل المباراة أما بعدها فقد حاولت أن تصدق ماحدث ويبدو أن قوميتها كانت لا تزال تقاوم ماتراه عينيها !!

ثم ماذا؟!
راهن مثقفون كثيرون على أن عدم تحرك الشارع المصرى وسلبيته هو السبب فى سوء الحال وبقاء المستبد والفاسد .. وقد جاءهم تحرك الشارع المصرى كغضبة بعد الأحداث التى تلت المبارة وليس بعد المباراة ذاتها, ومنها تنقلت مشاعر الانتماء للوطن وعزته أمام أعينهم فكان توحدهم الذى ما يزال الكثيرون لا يصدقونه ثم وضعوه عجزا منهم عن تحليله فى إطار "الغوغائية" والحماسة الزائدة من أجل مباراة كرة قدم.. فى جهالة هى إلى الغباء أقرب..
فمن يصنف الأمر على أنه مباراة كرة قدم هو "كائن لم يستطع أن ينتقل إلى مرحلة الزواحف بعد"!!
فليس هناك من يتحدث عن المباراة أو كأس العالم أو غير ذلك.. حتى محاولات عرقلة الجزائر عبر الشكوى للفيفا تندرج تحت خانة "على هامش الأزمة" ..

ولأجل أن يكون هناك سبب مقنع لكلمات المتثاقفين فقد حملوا الإعلام المسئولية ولكى يكونوا متوازنين اتهموا "إعلام البلدين" وليس "بلد واحدة" . ويالله ياعم ماحدش يزعل!!
ولو كان الإعلام صمت عما حدث لاتهموه أنه يصمت بأوامر حكومية لأجل تنويم الأمور وعدم جلب المشاكل وحينها ستوجه الاتهامات للإعلام أيضا بأنه يصمت على حقوق المصريين بتعليمات حكومية!!

فوجىء المتثاقفون بأن المصريون فى البيوت أو فى الشارع يحملون أعلام بلدهم ولديهم مخزون عاطفى وعقلى متدفق يمكن استغلاله جيدا لمن يملك التوجيه, فى تغيير أوضاع كثير يبكى عليها مخنثى القومجيين والإسلاميين بل ويبكى عليه الجميع.. لكن الذى ظهر أنه كان تباكى وليس بكاء!!

لم تجف عناوين ضخمة كتبوها بالأحمر والأخضر "أين كرامة المصرى فى الخارج؟" كتبت تلك العناوين فى أزمات سابقة.. وها هى أهينت كرامة المصريون فى الخارج ثانية بشكل أكثر قسوة ونظاما ..لكن الذى ظهر واضحا أن تلك العناوين وغيرها ليست من أجل المصرى فى الخارج أو حتى فى الداخل بل فقط من أجل الهجوم على الحكومة وإظهار عوراتها!!!

الذى بدا ظاهرا لى "ولا يعنينى أحد" أيا كان - أن محركات المعارضة "حزبية أو غير حزبية" فى مصر تنبع من كونهم معارضين وأن هذا واجبهم الذى تشربوه فى أروقة الأحزاب التى يتربحون منها أن يظهروا سلبيات الحكم وليس تغيير الواقع.. فالقومى الذى فاقت عروبته وطنيته هو فى نظرى "مشروع حيوان لم يكتمل بعد", و وفديين الفيس بوك الذين مسكوا العصا من المنتصف هم أيضا "مائعون على درجة عالية من الليونة".

مكرم محمد أحمد بدا كالذى لا يعرف ماذا يفعل, وقد جعله السن فى موقف جدير بالشفقة, فهو يدافع عن عروبة نوستاليجية ويتحدث بكلمات يغلب عليها التهتهة والدهشة و رفع الحواجب, مصطفى بكرى بعد ما أخذ "دشا" تذكر أن أكل عيشه وشعبيته قد أتته من الناصرية والقومية ويصعب أن يفكر فى التغاضى عنهما على الأقل فى الدورة الحالية لمجلس الشعب, فمسك العصا من الثلثين!!
يحيى الجمل كتب ثم لم يقل شيئا فى النهاية سوى أنه كتب.. فقط كتب!
حمدين صباحى عليه التفكير جديا فى تغيير اسم حزبه وصحيفته من "الكرامة" إلى أى اسم آخر يعبر عنه!!

كثيرون حللوا الأحداث بشكل جعلنى أتأكد أنهم فى مكاتب مكيفة أو فى غيبوبة رغم أنهم ينالون احتراما فى أوساط عديدة.. د/عمرو الشوبكى يحلل بالشوكة والسكين بشكل بدا لى غارقا فى السذاجة مازال يرى الكرة والنجيل الأخضر و يبدو أنه لم يستطع استيعاب ما يحدث.. د/جلال أمين كتب مقالا بالشروق من أسوأ ماكتب ونظّر و كل مافعله هو محاولة إسقاط نظريته التى وردت فى كتابه المتميز "عصر الجماهير الغفيرة" ومن قبل فى كتاب "ماذا حدث للمصريين" على الموقف الحالى- فى واقعة أعدها سقطة بعد كتابه المرتبك الذى لم يعجبنى أيضا "التنوير الزائف"..
أحمد المسلمانى ينقل الأمر للاعتذار عن استخدام الإعلام المصرى لكلمة "البربر" فى مقال له بالمصرى اليوم, شارحا فضل البربرالتاريخى على الدنيا واللى فيها متجاهلا أى شىء آخر قيل فى حق مصر.. و حول القضية لشروحات البربر!!

والإبراشى وُلِد دبلوماسيا .. ولا يجرؤ أحد أن يطقها صراحة.. ماتت القومية وعليكم تحديد عقد سياسى جديد بيننا وبين الدول العربية مبنى على تبادل المصالح والتكافؤ والنضج الإنسانى والأخلاقى وتحمل المسئولية وليس على نهج "الأم دايما تحب تنسى"!!


د.مصطفى الفقى كان أيضا دبلوماسيا مستفزاً فى أحيان متفرقة..ويتحدث عن طبيعة الجزائريين العصبية لأسباب كثيرة مروا بها.. ولسان حال الناس يقول "على نفسهم مش علينا.. ماحنا مطحونين ..قرفنا بقى!!"
إبراهيم عيسى يتساخف فى عادة غير منقطعة ويطنطن بتحليلات فقدت قيمتها من كثرة التكرار!

فقط كان على شجاعته فيمن رأيت "أسامة أنور عكاشة" وقد اعتذر عن دروشته القومية والناصرية منذ فترة و ذكر موقفه ثانية تلك الأيام فى برنامج على قناة الحياة المصرية ناظره فيه حمدين صباحى !!

السلفيون صامتون تماما و لم نسمع لهم حسا, وهذا طبيعى فالمهان من وجهة نظرهم هم الفنانين "ودول كفرة وأمرهم منتهى" وكسر صورة الوطن أمر مرغوب من أجل دولتهم الخلافية التى ستقوم على أنقاض دولة الفراعين! وبعد أيام يخرج الشيخ القرضاوى "يلعن الكرة التى فرقت الشعوب" فى واقعة تبرز أيدلوجية تافهة يتبناها القرضاوى وربما شخصية تافهة أيضا إن كان يصدق ما يقول!!

الإخوان المسلمون أثبتوا حقارة هم جديرون بهم عن حق فقد غابوا تماما عن اجتماع لجنة الدفاع والأمن القومى بمجلس الشعب, لمناقشة الأزمة وهو موقف غير مدهش لى , ولكن الغريب أن يتم ببجاحة كبيرة و "بعين واسعة" تتمثل فى غيابهم كلية..رغم أنهم يقدمون استجوابات بالمجلس من أجل عربة كارو استهدفت فى غزة ويبكون من أجل مسلمى تركستان الشرقية بالصين,, لكن المصريون فى هذه الحالة مجرد مصريون يسقط عنهم الانتماء الدينى!!

ظللت مؤمنا أن الوطن لا يعنيهم وأن القضية بالنسبة لهم هى تلك التى أثيرت فى أثناء أزمة غزة حينما صرح النائب الإخوانى سيد عسكر بأن الإسلام قبل مصر ورد د/ مصطفى الفقى بأن مصر أولاً... وقد برهنوا حقيقة أن الإنسان المصرى آخراً, وأن القوادين أولا سواء كانوا حكومة أو إخوان مسلمين!
فى هذه الحالة ..مطاردة مذيعة مصرية عارية فى الخرطوم لا يتعارض هنا مع تحجبى يا أختاه..وإنهم يخلعون حجاب المسلمات فى العراق.. إلى آخر المزايدات المتخلفة التى يروجونها!

الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين "أيوة بتاع محمد سليم العوا والقرضاوى" فى ندوة حول وسطية الإسلام استنكر أن تقوم أزمة لبلدين بسبب "مباراة كرة قدم".. وهو غباء منقطع النظير ممن يعتبرون أنفسهم اتحادا للعلماء..وأدلى د. محمد عمارة بكلمات حمقاء مضمونها أننا أمة "تفكر بأقدامها" فى جملة تؤكد أن الاستهبال ليس حكومى فقط وإنما "دراويشى" أيضا.. أدام الله عليك عباءة الإخوان المسلمين دكتور عمارة.. ونفعنا بصمتك و أشاح عنا وجهك المتجهم!

نسى الإخوان تهليلاتهم لمنتخب كرة قدم حولوه لمشيخة "منتخب الساجدين" وتناسوه حينما عاد من السودان كـ "منتخب مصر" الوطنى.. عبرت يابن عاكف بقولتك الحمقاء "طظ فى مصر" عما بصدوركم الكريهة - لم تكن ذلة لسان كما يبرر لك السذج ولكنها عقيدة أيدلوجية مهما تعامى عنها محللوا الشئون الإسلامية المبالغون فى التحليل المتنامى!

سنة أولى مؤامرة:
المتثاقفون يرون أن أزمة "الجزائر" هى مجرد خدعة حكومية لتمرير التوريث..وإبراز دور جمال وعلاء مبارك وربما مبارك الأب شخصياً فى صورة الحامى للوطن وأن تلك من منظورهم هى الخديعة الكبرى التى نتعرض لها إعلاميا وكأن التوريث لا يتم الإعداد له والتنفيذ منذ عدة سنوات وأن تصعيد جمال مبارك يتم أمام أعينهم وربما بمباركة بعضهم!!

والتباكى المقيت على قومية انتهازية "تواكلية" هى حجتهم للم الأطراف للصلح والسلام مع "الأشقاء" الذين لم يظهر منهم من يمد أيديهم , فبدا المتثاقفون كمن يمد يده فى الهواء ويتركها معلقة!!!
تحليل ظهور علاء مبارك فى التليفزيون عدة مرات صوتيا من خلال مداخلات تليفونية يرونها عملية سياسية عميقة المغزى ستجعل شقيقه جمال يتولى الحكم غدا صباحا, فى نظرية مؤامرة ساذجة لم تخرج من طور الطفولة بعد!!
"كلامى ليس دفاعا عن علاء مبارك أو شقيقه أو مبارك الأب نفسه ولكنه رفضا لأغبياء فضلوا موقفهم الحزبى والأيديلوجى وانتماءهم السياسى والقومى و تخيلهم الدينى عن وضع بلادهم العام0"

قبل الأزمة بأيام صدر تصريح مذهل للمعارضة المصرية فى أحزابها الكبرى "الوفد والناصرى والتجمع والجبهة الديمقراطية" مضمونه أن الأحزاب العظيمة ترفض ترشيح الدكتور محمد البرادعى لرئاسة الجمهورية لماذا؟!
لأن لديها كوادر حزبية تصلح للترشيح!!
هكذا قالوا...
البرادعى أثارت كلماته البسيطة خيال المصريون وانتعاشا جعلهم يحلمون بغد قد يكون أفضل, المعارضة ذات الكوادر باعت دكتور برادعى من أول ثلاث جمل نطقها, والآن يتحدثون عن التوريث وكأنهم لم يتواطئوا مع الحكومة باستبعاد البرادعى "نفسيا" على الأقل.. الوجه الوحيد الذى يمكن أن يسبب حرجا لمبارك, فيتيمز بصفات محترمة كثيرا من الصعب أن تظهر حاليا فى هذا المناخ!!

المصريون فى الشارع.. والمعارضة والمتثاقفين يحللون نزولهم نظريا ببرود سخيف دون أن يحاولوا استغلال تلك الوقفة التى يصعب تكرارها..ليس لأن الغضبة "شعبوية/ ديماجوجية" كما يدعون ولكن لأنهم غير مستعدين للتعامل معها رغم صدقها وعزتها الحقيقية.. ومنخرطين للغاية فى عفونات التثاقف والتحزب والتنظير البيزنطى!!

ابتزازات لطيفة
الابتزاز الدينى لدينا مضحك حتى البكاء.. فى أول يومين للأزمة لم يكن يجرؤ أحد على مخالفة الغضب السائد على الملأ.. ثم على استحياء بدأت تظهر دعوات مضمونها أن إسرائيل تبنى مستوطنات بالقدس الشرقية.. يا إلهى ..أحقا ما أسمع؟! تبت يدى.. منذ صغرى وأنا أرى مستوطنات تبنى وأخرى تهدم ثم تبنى من جديد أو العكس.فماذا جرى؟! لا شىء!
هل أصبح شهر نوفمبر 2009م هو شهر حل القضية الفلسطينية و أن أزمة الجزائر هى التى تنهينا عن حل القضية..
هناك 20 دولة عربية وأُخر إسلامية فلتتولى الموضوع حتى ننتهى!!!

على وجه آخر ظهرت دعوات مضمونها أن هذا لا يرضى الله لأننا جميعا مسلمون.. يا إلهى .. حقيقة لا أعلم لماذا يظن أو يتظانن البعض أن الله لا يولى غضبه إلا للمصريين فقط إن طالبوا بحقهم, ويرضى عنهم صامتين مهانين!!
الابتزاز الدينى بدأ على نهج "وحدوا الله ومايصحش احنا إخوات" ثم تطور الأمر إلى " والكاظمين الغيظ" ثم من بعد انطلق إلى "لا يصح خصام المسلم للمسلم لأنه حرام".... وعليك أنت استنتاج الباقى!!
ثم استكملت مهزلة نظرية المؤامرة بأنها لابد وأن يكون هناك أصابع إسرائيلية فى الموضوع وأن إسرائيل قد سكبت السم فى الملعب!!
وثلاث دول من الأطفال المغرر بهم ابتلعوا لابد المكيدة الإسرائيلية.. منذ الفتنة الكبرى ونحن سذج يضحك علينا اليهود بلبان بمبم..
رغبة عارمة استشعرتها فى مخنثى القومجية والإسلامجية ألا تقوم لهذا الوطن قائمة أيا كانت إلا فقط لمساعدة الآخرين ولأجل هدف ليس وطنيا على الإطلاق!!

جميع المتثاقفين ينادون الشعب بالتحرك دوما وعدم الصمت وحينما توحد الشعب على كلمة واحدة اتهمه المتثاقفون بالغوغائية والتفاهة لأنه تحرك من أجل مباراة كرة قدم!!
والجميع يعلم أن الغضب الشعبى السائد ليس له علاقة بكرة القدم ولا بالمباراة..
هل من أحد يدلنى لماذا يتماثل المتثاقفين والمعارضين مع الحكومة فى الكذب المكشوف القبيح؟!!

غباء المتثاقف.. النظام المصرى كسب "بنطا" لا بأس به فى هذه الأزمة وظهر بشكل أو بآخر كمدافع عن المصريين وحقق علاء مبارك شعبية لا بأس بها وسط تحليلات متثاقفة غبية حاولت تنييم الشعور الشعبى بدلا من استغلالها فى النهوض بهم و فى ظل غياب رسمى وشعبى جزائرى..باستثناء بيان يتيم خرج من إحدى دور حقوق الإنسان الجزائرية لم يتوجه فيه أى اعتذار, بل بالعكس فيه تذكير بمساعدة الجزائر لمصر بالدماء وأن مصر ساعدتهم إعلاميا فقط وقع عليه 12 مثقفا من الواضح أن جزءا منه نكاية فى الحكومة الجزائرية!!
ووسط تكريم رسمى للمشجعين الجزائريين العائدين من موقعة أم درمان و حثهم على المزيد من الأداء المماثل!
ولكن هلل هنا بعض المتثاقفين والمتعالين الذين لم يقرأوا البيان جيدا .. ولم يتكلفوا عناء البحث عمن وقعه!!
وفى النهاية الموقعون هم 12 شخص.. ويظل السؤال إلى متى تظل أيديكم فى الهواء معلقة أيها الأذلاء؟!
ماظهر به البعض أسقطه فى نظرى تماما وجعلنى أضعه فى خانة المنظِّـر العاجز اللامنتمى. وجعلنى أتأكد أن النظام لا يواجه عناء مع غالب كارتونات المعارضة المصرية!!

ومازال لدينا الكثير من "المتلذذين بالإهانة" يبكون لأشقاءهم أن مدوا أيديكم فنحن أشقاء.. عبث فكرى وتصدر للمشهد لمن لم يعانى فيه بالأساس!!
الأولى بفعل كهذا هم العائدين من السودان أو المحتجزين كرهائن بالجزائر .. هم فقط من لديهم الحق فى قبول أورفض صلح ما أو تهدئة ما و ليس أشباه رجال الإنترنت والفيس بوك والصحافة!!

موال عراقى قديم مطلعه:
اللى يضيع الدهب .. بسوق الدهب يلقاه
واللى يضيع حبيبه.. يمكن سنة ويلقاه
لكن اللى يضيع وطنه ..وين الوطن يلقاه؟!

مايتم التمهيد له ليحدث هو ابتزاز دينى وتاريخى وقومى .. وإنسانى قبل كل هذا ..لكى تخمد تلك الصحوة للمصريين كسابقاتها.. ولكل مصالحه فالعرب مهما أبدوا من تكبر واستغناء مادى فهم فى النهاية لديهم غطاء أمنى ودبلوماسى فى مصر مهما ضعف أداء مصر.. فمصر دائما تحت المنظار ولو لم يكن للعرب بها حاجة ما سلطوا عدسات قنواتهم على القاهرة فى كل أزمة عربية أو حتى داخلية!

وهم يحتاجوننا أكثر مما نحتاجهم ولكن يحتاجوننا على مانحن عليه الآن دون تغييردون أن نثور داخليا أو خارجيا..فهذا ليس مطلوب.. وأذناب الداخل ينطبق عليهم نفس الوضع.. فأصحاب الأجندات الدينية والقومية لن يخسروا مصالحهم وأموالهم و رغادة العيش من أجل وطنهم.. فهو مجرد وطن لا يستحق كل هذا.. ودينى هويتى .. وقبضنى تجدنى!!

وما يحاول البعض جديا القيام به الآن هو كبت لفورة مصرية من أجل ألا يقوم هذا الشعب عبر ابتزاز دينى وقومى وتاريخى على طريقة "ربنا هيزعل .. طيب افتكر تاريخنا وكفاحنا سوا.. طيب عشان الأخوة المشتركة"!!
غباء المتثاقفين جريمة متكاملة الأركان وغباء منقطع النظير فى هذه الأيام وهى ترتكز فى أول قواعدها على تنويم المصريين وليس تهدئتهم أو جبر خواطرهم أو رد اعتبارهم!
غباء المتثاقفين يجعلهم لا يصدقون ما حدث ويكذبون أعينهم و عقولهم.. ويتمسكون بأخوة لا يتمسك بها غيرنا ويتعامل بها الآخرون معنا بالجرام.

يقول المثل الشامى العميق
"ياعيب الشوم عليك لو جرحتنى مرة.. وياعيب الشوم عليا لو جرحتنى مرتين"
إذا مرت هذه الأحداث دون موقف شعبى صامد لا تلينه غباءات المتثاقفين و تقزمهم و "قوميتهم" الخانعة فالعاقبة أسوأ بكثير مما يظن البعض.. توحد المصريين على كلمة واحدة و نزول المصريون للشارع بأعلام مصر هو رسالة لم تلتقطها أعين "البهوات" تعنى أن تعالوا نتحرك على المستوى الإقليمى من أجل وضع أفضل وداخليا أيضا من أجل التغيير !!

هى فرصة جاءت من أجل ظهور شخص محترم كالبرادعى أو غيره لنصدره للمشهد فى فورة حماس المصريين لبلادهم, وليس لمنتخبهم الكروى.. فأتحدى أن تجد عشرة أفراد يتذكرون أحداث المباراة الآن أو يتحدثون عنها بالفعل!!
هى فرصة قد جاءت لتخليص الناس من قذارات قنوات الناس واقرأ والرحمة والحياة القبطية ومن ذل الكفيل ومن الخوف من مسئولى الشرطة ومهانة طابور العيش هى فرصة بروح جديدة سادت.. هى فرصة لرفع الرأس والإيمان بالذات ..ولكنكم تفضلون أن تثبتوا الأوضاع من أجل خططكم البالية التى نصفها مصاحبة الحكومة ونصفها الآخر تنظير حزبى عقيم!!

إن فى السماء عدل يجب أن يهبط على الأرض ليملأها رحمة, ولا يجب أن يظل الأمر على ماهو عليه.. وقد جاءتنا فرصة لم أقابلها فى حياتى ولم تأتى على فوهات المدافع أوعلى جنازير الدبابات ولكنها شعبية صادقة أيها الحمقى.. فلماذا لا تصدقون؟!
وماتزعليش يامصر .. حقك عليا.
....................................................................................
* الصورة من مدونة الفنان "خالد النجار".
** يبدو أن أغبياء العالم حقا سيقضون على عقلائه بالسكتة القلبية.

الخميس، 29 أكتوبر، 2009

مصر الموظف !!

لن أنسى هذا الرجل العجوز أبدا, تعاملت معه عدة مرات منذ سنوات مضت من خلال لقاءات قصيرة متوترة عقب تخرجى من الجامعة بشهور, حيث شبح البطالة التى أعيشها يطاردنى وتفوقى الدراسى يؤلمنى ويشعرنى بالعبثية التى أحياها, و احتياجى للنقود يؤلمنى على قلتِه, والأكثر إيلاما انتظارى لأحد الوالدين ليعطينى مما أعطاه الله بصورة لطيفة تخفف من وطأة الأمر وقسوته على نفسى وأنا قد تخطيت العشرين بفترة وأصبحت "شحطا" كالحائط !

كان مقر لقائى بـه مكانا للتسول من المفترض أنه أحد مقرات الحزب الحاكم التى ما قاربتها قط فى حياتى هى أو الخمر!

توجهت للمكان حاملا طلبا للتعيين فى أحد أروقة الجهاز الحكومى العتيد ببلادى , مسطورا على الكمبيوتر فى ورقة شديدة البياض والنعومة باعتبارها ستخاطب وزيرا مرموقا بما ظننت أنه حق لى بعد إخلاصى الدراسى وتميزى بـه.


ومع أن المكان ليس من المفترض أنه يختص بتلقى طلبات العمل إلا أنه مقر لأعضاء المجلس التشريعى الذين نجحوا فى الانتخابات البرلمانية عن الحزب الحاكم ولهم به مكاتب مغلقة يرتادونها أحيانا بين مرة أو اثنتين أسبوعيا لتلقى شكاوى وطلبات المتسولين الذين انضممت إليهم رغم موقفى الإنسانى الكاره للتسول وللحزب الحاكم معا !
"تذكرت شيئا ً هاما, فلم أكن وقتها أكن على موقفى الحالى من الحزب الحاكم, فحينها كنت ما أزال مواظبا على مشاهدة نشرة أخبار التاسعة"!

كان ذهابى إلى هناك فى حد ذاته تنازلا يكسر نفسى وكبريائى, فأنا لا أتردد على الأماكن المشبوهة, و لم أعتد التنازل عن مبدأ, ولم ألجأ للتسول قبلا, ربما لأن هذا يعد أول طلب مصيرى فى حياتى.. و كذلك هناك شىء ما غير محدد خاطىء فى الموضوع يؤرق نفسى, كما أننى لست براجماتيا أو ميكيافيليا فى الأمور الشخصية , والصحف تعلن يوميا "حينها" خبطات هيئة الرقابة الإدارية لرجال منهم أو "شبه منهم" واللواء "هتلر طنطاوى" خبرا ثابتا فى الصفحات الأولى, فهناك أمر ما مؤرق ويثير غيظى, ولكن أيضا جيبى خاوى و البطالة أكثر ألما!

كما أن الجهاز الحكومى ليس ملكا لهم و إنما هم يديرونه فقط بمنظور السياسة, وهم لا يمنون على فهذا وطنى قبل أن يكون وطنهم بمقياس العطاء. ربما لم أقدم للوطن شيئا مذكورا ولكنهم أيضا أخذوا منه الكثير, وفى أردأ الأحوال منعوه من التحرك للأمام بما يستحق, لذا فأنا لم أكلف الوطن ما كلفوه هم, وعليه فلو خُيّر الوطن بينى وبينهم لاختارنى أنا لأننى أقل تكلفة!!


بعد ولوجى لأروقة المقر الكئيبة المطلية بلون أخضر قاتل يجعلك تلعن "عامل النقاشة" الذى طلاه و من اختار له اللون ومن جعله مختصا باختيار اللون لجدران المقر الحزبى وتكره الوظيفة التى قد تنالها ببركة هذا المكان القابض, سألت عن العضو النائب عن الدائرة ولم أكن قد اخترته, قالوا لى إن سكرتيره بالمكتب بنهاية الطرقة يتلقى الطلبات, فحمدت الله أن للطرقة نهاية!

بساطته البادية ومظهره المتواضع وبقايا شعره غير المهذب, مع وجوده داخل هذا المكان جعلتنى أتصوره كعرضحالجى منتفع يسير فى ركب الكبار كمرتزقة وصولى "حاملا للحقيبة بلا مبدأ ليصل لأى شىء ممكن وغير ممكن. فما الذى يجعله يقبل بأن يكون سكرتيرا حزبيا لعضو بالحزب الحاكم ويا للعار نجح فى انتخابات البرلمان أيضا؟!


بعد عدة جمل له بدا لى كلامه المنطقى والمرتب وبعض أسألته لى جعلتنى أشك فى هذا الكيان العجوز وارتابت رؤيتى له . عضو فى الحزب الحاكم يسألنى وأنا أقدم طلبى الموجه لأحد وزراء مصر المحروسة أن أرفق معه طلبا آخر موجه للسيد العضو البرلمانى الذى سينقل طلبى للسيد الوزير, وهذا الطلب حكمته أنه لو نجح مقصدى فسيكون أحد مفاخر التى يعدها العضو البرلمانى ويتباهى بها فى سجلات عمله لأنه قد لبى مطالب أبناء دائرته (أنا) ويستعين بها فى انتخابات قادمة ودورات أخرى إن ظل الرضا نحوه قائما!!


سألنى بوضوح ثبات : هل أنت عضو فى أى حزب معارض؟!
فأجبت: لا, ولكن لماذا؟
فرد قائلا: لـن يُلبَى طلبك إذا كنت عضو فى حزب معارض, وسترفضه جهات مسئوليتها مراقبة من يطلب العمل فى الجهاز الحكومى أو يعمل به بالفعل, وربما يجلب لك الطلب المتاعب فى هذه الحالة لأنه سيضعك تحت المنظار!
فرددت : إذن فحكومتنا تعتبر أن الجهاز الإدارى للدولة هو جهاز حزبى يرفض تعيين المنتمين لأحزاب أخرى, أو فى أفضل الأحوال قد تقبلك وأنت على الحياد غير مسيس أو متحزب.

وافق هو على إجابتى الأخيرة بعدم اعتراضه وأمدنى بورقة وقلم لأكتب فيها طلب للعضو يمتدحه فى ديباجة تاريخية ثابتة ثم بعدها أسطر فيه بغيتى التسولية ..

تطرق الحوار بيننا لمساحات إنسانية مشتركة من حيث الهم الشخصى والجمعى, والغلاء والسفر وإسرائيل ورجال الأعمال.. فبدا لى إنسانا مميزا فاضلا بآرائه وإنسانيته واعيا مثقفا ممتلكا لخبرة الحياة, وشخصيته آسرة إلى حد بعيد.
ولكن كلماته جعلتنى فى تساؤل : هل هذا الرجل محايد كما بدا لى رغم أنه ينتمى كما هو واضح للحزب؟ هل هو ينصحنى ويوضح لى مخاطر التحزب فى حالة طلبى للعمل بالحكومة أم أنه مجرد راديو حكومى متواضع يبث مايغذى به, ومازال يبث رغم الصدأ الذى غلفه؟!

تركته بعد ترتيب موعد جديد لأتابع خط سير طلبى وإلى أى سبيل اتجه وهل سيكلل بالنجاح أم أننى سأصبح عضوا فاعلا بأبعد مقهى عن مقر سكنى؟!
كان لقائى به جيدا على كل حال من حيث أسلوب التعامل معى فقد كان مهذبا لأقصى حد فى حواره و محتويا لى, كما أنه أظهر اهتماما قلما أجده فى أى مكان يحتوى مكتبا وكرسيا عليه رجل يجلس!


بعد أسبوع ترددت عليه فأخرج من درج المكتب سجلا كانت رؤيته كفيلة بسحب أمل التوظيف من داخلى , إذ كان بها أسماء كل المتقدمين بطلبات تعيين للوزراء لهذا النائب حتى ذلك الوقت, فوجدتهم مئات فى هذا الدفتر , فأحبطنى خاطرى وهل كل هؤلاء سيعينون بفرض أن تم تعيين أحدا منهم ؟

سألنى : طلبك مقدم باسم أى وزير؟
فأجبت : لوزير الــ .....
فأخذ يقلب صفحات الدفتر حتى وصل لصفحة فى منتصف الدفتر عليها اسم هذا الوزير وبها ترتيب زمنى للطلبات المقدمة إليه من نفس الدائرة ,وهى تملأ عدة صفحات بمئات الأسماء, وقال لى : لسه طلبك ماجاش بخصوصه حاجة.

لم يبرح منظر الدفتر المكدس بالأسماء مخيلتى, إذ تأكد بداخلى أن على البحث عن كل هذه الأسماء بالدفتر وقتلهم لكى أنال مرادى الوظيفى أو أن يتلقاهم الله بعنايته ورحمته فى ويتوفاهم من أجلى فى فترة قصيرة و بشكل سريع, ثم وجدت أن هذا الخاطر ظالم وقد يفكر أحدهم مثلى فأموت أنا من أجل خاطره, فتراجعت عن فكرتى!


ترددت على المقر وقابلت الرجل عدة مرات فكانت إجابته دون أن يخرج الدفتر : لسه ماجاش حاجة, مفيش طلبات اتمضت.
ولكن فى إحدى المرات لمح فى عينى رغبتى المترددة فى رؤية الدفتر بنفسى واسمى فيه للتأكد من أنه لا يصرفنى من أجل راحة البال, حيث يدون أمام اسم صاحب الطلب إن كان قد تم الرد على الطلب أم لا, فبادر هو باحتوائى قائلا: أنا عارف إنك عايز تشوف بنفسك "أنا مصرى زيك" واحنا المصريين كده لو ماشفناش بعنينا مانصدقش, و حاول مداراة خجلى البادى بأن قال: أنا كمان زيك. ثم فتح الدفتر وأرانى اسمى و أمامه لاشىء مسطور, بما يعنى عدم حدوث جديد بشأن الطلب المقدس!


تلقيت هذه الجملة باعتبارها حكمة خالدة من مصرى عجوز لم أنساه من أجلها, ورغم أن الطلب قد رفض فى النهاية وجاءنى الجواب المطبوع على ورق فاخر من مكتب السيد الوزير مضمونه أن تم وضعى على قائمة المنتظرين للعمل وعلىّ الانتظار لحين أن تعلن الدولة احتياجها لشغل وظائف بها, فسوف ينفعنى هذا الطلب حينها, ومضمون الخطاب " أن انسى", إلا أننى لم أنس ذلك الرجل وحكمته التى أصبحت قولا مأثوراً لدى يجتره لسانى كحكمة تمنحنى هيبة الخبير بالحياة و لا أتردد فى نسبتها للرجل العجوز كلما كانت هناك مساحة لذكره!


أنهيت مهمتى مع الرجل العجوز بعد هذا الجواب الشافى من مكتب السيد الوزير شاكرا إياه بصدق على حسن استقبالى المتكرر, و لم أنسى حكمته الخالدة " ماحنا مصريين مانصدقش إلا لو شفنا"!!

عرفت فيما بعد أن هذا الرجل شقيق لطبيب كبير كان طبيبا للسيدة أم كلثوم, كما اعترفت لنفسى بأننى لست من تلك الدائرة الانتخابية التى توجهت إلى نائبها فهى تخص قرى المركز الذى أنتمى إليه وليس المركز ذاته, وأننى قد ذهبت لهذا العضو لسمعته المنتشرة فى إنهاء الطلبات المقدمة للوزراء فى حركة تنازل قمت بها مضطرا غير باغ!
واكتشفت بعد فترة أننى لم اقابل السيد النائب طوال فترة ترددى على المقر الحزبى وأنه كان بمثابة "جودو" الذى ننتظره ولا نراه!

تذكرت هذه التجربة هذه الأيام ببعد جديد حيث أرى أن أقوى رجال الوطن وأكثرهم شهرة / علما / ثقافة/ جماهيرية يضربون الودع عبر المقالات اليومية والدراسات والكتابات المرموقة لمعرفة ماذا يدور بخلد الرئيس والوريث وهل سيحدث توريث للحكم كما هو بادى أم أن كلمات الرئيس كانت صادقة حين قال " مصر ليست سوريا" وقت تولى بشار الأسد للحكم هناك؟!


الجميع يدور فى فلك تلك الحالة سواء من يكتب بيقين أو بترجيح أو بتخمين أو بانتفاع أو حتى بفهلوة, فالجميع الآن فى محيط "عاوز أشوف بنفسى" أو بعبارة أخرى "احلف ياريس إنك مش هتورث الحكم" أو " بجد ياريس ولا كده وكده؟" تلك الحالة الطفولية التى تنتابنا الآن ليست فى رأيى على جدية أبطالها سوى مهزلة عبرت عنها حكمة الرجل العجوز!!

ما الذى يجعل المصرى لا يطمئن "إلا لما يشوف بعينه"؟
سوى تاريخ الكذب الصريح الذى يتمتع به حكامه ومسئوليه وموظفيه بل حتى طبقات المجتمع نفسه التى تشربت الكذب فأصبحت مساحة الكذب فيه طاغية وأساسية لو أمعننا التدبر!!


الثبات وعدم تغير الشكاوى الرئيسة لنا قبل الثورة وبعد الثورة ومع تغير الرؤساء والتوجهات والأيدلوجيات ورغم الثورة وثورة التصحيح والثورة المضادة للثورة وزوال "الحزبية البغيضة" وعودة الأحزاب بمنابر, وتأميم الممتلكات لصالح الشعب ثم بيع الممتلكات والشعب معا للأجانب والنصابين والقوادين والأغبياء, الهزيمة العسكرية ثم الانتصار الحربى وغياب الإخوان ثم عودتهم ومعهم باقى الشلة المباركة بأسماء مختلفة تختلف بحسب طول اللحية وقصر الجلباب ومكان وحجم الزبيبة!


لم يثبت رغم كل هذه الحركات غير الشكاوى والكذب الصريح بتحسن الأحوال فى الغد الذى لا يأتى!
فما من شىء لدينا حتى فى أبسط الأمورمن مواعيد مضروبة ووعود جادة أو هازلة إلا ويغلب فيها التسويف والتمييع وتركها لله و تقديم المشيئة لتمييع الميقات!

ناهيك عن المشروعات الوطنية والخدمية من تعبيد الطرق وإنشاء كبارى المشاة "بالأقاليم" ومشروعات شبكات المياه والصرف وخدمة البيئة جميعها تبدأ بموعد وتنتهى بالمشيئة هذا إن تمت بالأساس!!


غالب من لديه مكتب ومقعد فى الحكومة المصرية لأسباب موروثة هو فرعون باغى غير حكيم, يبحث عن كرسى فإن وجده لصِق به, يفقد ذاته وكرامته غالبا من أجله, ومعهما يفقد مصداقيته, يكذب حتى على نفسه ثم يصدق كذبه الدميم, يعتقد أنه كاهن يملك الحكمة والسر المقدس وأن على الجميع تصديقه رغم عدم برهانه العملى أو النظرى على مايقول!


هكذا يدير شئوننا حكامنا بالحكمة التى يشيد بها حملة المباخر ويريدوننا أن نصدق ذلك ونكذب أعيننا التى ماعادت لتندهش من كثرة الكذب, هم من جعلونا "لا نصدق حتى نرى" وذلك لفقدان الكلمة لديهم قيمتها وقوتها, ولدينا نحن "المحكومون" أيضا إن أردنا صدقاً مع النفس!

ليس مستغرباً أن ينتشر كهنة الفضائيات السلفية كالجراد ويعلو صوتهم وتنتفخ ذواتهم مادام الحاكم كاهن يدير حكومة من الكهنة!!

فالرجل ليس كلمة كما نردد و لا هو "مربوط من لسانه" وإنما الرجل هو مشيئة متنقلة وهيمان فى الملكوت الذى تكون فيه الكلمة سحابا غير محدود ولا محدد, وكله بأمر الله ومانحن إلا أسباب "يابنى", و لا معنى للكلمة ولا حدود للعبارة والغلبة للتسبيح!!


لا يتعامل الرئيس مع الشعب المحكوم إلا بنظرة الموظف للجماهير ذوى الحاجة ينتشى بتملقهم وخطابهم الاستجدائى, ويرضيه للغاية أن نظل نضرب أخماسا فى أسداس حتى الموت كمدا, فالحكمة له وليس لنا أن نعرف مافى ذهنه بخصوص مستقبلنا, وهذا عيب فى المجتمعات الأبوية أن تسأل عن حكمة الأب وجدوى فعله وسلوكه وعقبات تصرفه, وهو نفسه يعتبر هذا تدخلا سافرا فى شئونه واعتداء على خصوصوياته وتشكيك فى حكمته ونزاهته وعدم تقدير لماضيه ومسيرته معنا حتى لو كان الخطر يحدق بك, فأنت فى كنف كاهن عليم يحرسه الإله إن لم يكن يعتقد أنه الإله نفسه!

أضف إلى ذلك مصيبة تسدد الخانات وملأ الدفاتر حضورا وانصرافا والتهرب من المسئولية* بإلقائها على الآخرين, والتملص من كل عمل جدى, والأهم أن الموظف فى كل الأحوال يقبض مرتبه فى نهاية الشهر سواء أجاد أم أساء أم لم يعمل نهائيا, ملاليم هى لا تغنى ولكنها تتميز بالثبات, فبين الموظف والحكومة ذلتان متبادلتان يعض كل طرف منهما عليها بالنواجذ وهى أن الحكومة بجلالها تعطى رواتب ضعيفة تجعلها كسيرة العين عند أى مطلب تحسينى, كما أن الموظف يتمتع بثبات أجر وتأمينات ضد التسريح الوظيفى تجعله فى مأمن من تقلبات الزمن و بطالته المقنعة لا شك فيها مما يجعله مدينا للحكومة ببقائه فيها دون عمل تقريبا, فتظل الأمور ثابتة رتيبة مملة متخبطة باعثة على الانفجار.

لأسباب عديدة أصبحت أرفض وأنفر من كل ذى مكتب ومقعد إلى أن يثبت لى أنه ليس فرعونا أصم و حديثه الثرثار الفارغ المبالغ فى مديح الذات يسد أذنى , عديم الفعل رغم جبروته البادى, وإن حدث وفعل فتكون مصيبة يصعب ردها لغباء الأداء وقصور الفهم والجهل بالبديهيات وغياب الأولويات و سفاهة العقل وانعدام الترجيح ووأد الشرفاء و نظل بعدها ننادى يا ستار!
........................................................
- الصورة بعدسة "منة فوزى" من جروب "المصرى لما يصور" بموقع facebook .com .
*راجع أقوال نائب رئيس هيئة سكك حديد مصر فى تحقيقات النيابة العامة بعد حادث قطار العياط.

الجمعة، 18 سبتمبر، 2009

حَـلًّ واتّـحد.." تجليات التجليات"!

هل الوطن هو مانح تلك التجليات لأبنائه؟ أم أن الأبناء يتفانون عشقاً فيمنحون الوطن ما طاب من ثمار عملهم فيستحيل بدوره تجلياً؟
أطياف صوفية, عذابات الشهداء وعذوبتهم, يقين العامة وهوانهم أيضا, مكتوبا فى برديات مصرية مدفونة أسفل دير ناء بالصحراء الغربية ثم استخرجت, فكان ما كان.
باختصار هى تلك التجليات التى أمتع بها الأديب جمال الغيطانى قراء المصرى اليوم على مدار أيام الشهر الكريم .
ما هذا يا غيطانى؟!
ألقيت حجرا كريما من الأمل فى بحيرة زماننا الراكدة وبأيدى فلاح ماهر يحفظ طبيعة الماء والأرض .. فأمسكت بخبث الفلاح بسر الحياة دون أن يعلن. أبدع فأنطق الحجر "أن كان من قبلكم من هو يسوءكم حالا, فاصبروا.. فليس بعد الشدة إلا الرخاء!"


أسْمـِعنا ثانية تلك التجليات .. هل هى تجليات مصرية كما أسميتها أم أنها فى حقيقة الحال تأملات غيطانية فى نسيج قباطى مصرى " ذاك النسيج الذى اشتهرت به مصر وبرعت وأرسل منه المقوقس هدية للرسول "ص" مع مارية وسيرين.

تجليات تضاف إلى تجليات الأسلاف المصريين من الكاتب المصرى "تمثالا شاهدا يستحثك العلم" إلى مانيتون السمنودى إلى ساويرس ابن المقفع وحتى ابن إياس الحنفى فالجبرتى ثم الرافعى .. هم كتبوا للتاريخ وأنت تكتب بالتاريخ زمانا ومكاناً. تستحق تلك الإلهامات أن تجتمع مع بين دفتى كتاب يحمل اسمك خالدا أبداً.. فما أبدعت يجتاز المقال خالدا ككتاب!

الغيطانى أنطق الحجر وتشعب حيث الشوارع والبشر والحواديت القديمة.. فسرد الحجر تاريخا وعقائدا وتصوفا .. أتتصوف الحجارة ؟! ربمـا !

بدأ بالعمارة رحلته الزمانية من ميدان القلعة حيث مدرسة و جامع السلطان حسن .. السلطان حسن هرم العمارة الإسلامية فى مصر كما يسميه الأثريون*.. فأسماه "بنيان الرضا وعمارة السكينة" وصفه بأنه مكان يتكثف فيه الزمن واستخدم كلمة "غموق" للتعبير عن تلك الحالة التى تنتابه وهو يتجاوز البنيان , ولولا أننى قد اجتزت مدخل السلطان حسن مرتين دخولا و خروجا لما فهمت ذلك الشعور ووضعته هذا التعبير فى مصاف الشعر الحسن!


ينطلق الغيطانى من ميدان القلعة ذاكرا أسماءه القديمة ميدان "الرميلة" ومن قبل ذلك ميدان "قرة ميدان" أى الميدان الأسود وبعد الثورة ميدان "صلاح الدين" والآن "ميدان القلعة" .. فرأى الميدان يتطور حيث امتداد شارع محمد على الذى يخترق المساحة المحصورة بين جامعى السلطان حسن و الرفاعى وكان يخترق الشارع أول " ترام" مر فى القاهرة سنة 1890م ذاكرا وصف الترام ومدينة صنعه فى بلجيكا وحتى انسلخ الترام حزينا من شوارع القاهرة وبدأت السيارات تمر فى الطريق الفاصل بين الجامعين نافثة عليهما العوادم بما لا يستحقه الأثر العتيق, حتى قرر" أحمد قدرى" الرئيس الأسبق لهيئة الآثار المصرية إغلاق هذا الطريق للسيارات وفتحه أمام المارة ونجح فى الأمر سنة 1983م , وهو ممر أكثر من رائع تستطيع الجلوس فيه أرضا صيفا وشتاء محتميا بظل المسجدين العملاقين متمتعا برؤية القلعة فى مناخ معتدل يصعب أن يوجد فى مدينة كالقاهرة!

يستكمل الغيطانى حديثه عن ميدان القلعة والوصول إليه قديما عن طريق عربات "السوارس" تلك التى صدمت أمينة زوجة "سى السيد" فى بين القصرين لنجيب محفوظ "رحمه الله" ذاكرا أنها كانت شركة لرجل يونانى أسس شركة للنقل أساسها سيارات خضراء تجرها البغال بها دكتين طوليتين متقابلتين لجلوس الركاب وتسير فى خطوط منتظمة بشوارع وأزقة القاهرة!
لا يتضارب الفقر والبساطة مع النظام أو الجمال لو كان هناك رغبة صادقة فى الجمع بينهما !

يستغل الغيطانى مساحة المعمار الدينى ليغرس ببراعة تدرج تطور المجتمع المصرى عبر الزمان المتداخل مع البنيان الدينى الرصين فى المكان.
ومن بعد الميدان يتوقف الغيطانى وقفة تستحق مع المدخل الشاهق للسلطان حسن, إن المدخل هو المعبر عما ستدلف إليه بعد قليل, يحاول فى البداية تأمل أسباب ميل المدخل قليلا وهل السبب فى ذلك تأثيرات وافدة من العمارة السلجوقية الآسيوية التركية أم أن ذلك الميل يمكن الجالس عند المدخل من رؤية القلعة مباشرة دون إرهاق ؟!
فلا تغيب عن ناظريك رؤية "القلعة محل الحكم" وأنت دالف للمسجد فلا تظنن أنك وحدك فهناك إله ستناجيه بعد قليل ولكن أيضا هناك حاكم ينظر إليك بعين ثاقبة من مقر حكمه بالقلعة.. التأمل الأخير ليس من لدن الغيطانى ولكنه من ثنائيات الحياة التى تعلمتها فى بلادى!

بشكل عام ظلت القلعة محل الحكم منذ انتهى صلاح الدين الأيوبى من تشييد شِقها الأول سنة 579هـ /1183م** وحتى نزل عنها الخديو إسماعيل إلى الشعب ساكنا قصر عابدين فى تبادلية عكسية للواقع الحالى!!

يحاول الغيطانى استلهام لحظة البدء فى الحفر وضرب أول معول لوضع أساس البنيان الشاهق, لافتا النظر للكيان المقابل "جامع الرفاعى" محاولة خديوية لصنع سميترية فى المكان بأمر من والدة الخديو إسماعيل" خوشيار هانم" ببناء مسجد لها يقابل مسجد السلطان حسن, ربما لاستلهام عظمة البناء وإسقاطها على الحكم الخديوى. ربما, لكن الغيطانى يرى وهو محق كل الحق أن البناء كان صدى باهت لجامع السلطان حسن.

وبعض الصدى يبرز جمال الصوت يا غيطانى, شاهدت صورا قديمة للسلطان حسن يتوسط الميدان شاهرا نفسه للقلعة فى تحدى بين الضمير والسلطة, ولكننى لا يمكننى تخيل الميدان الآن بغير جامع الرفاعى الذى يسكنه جثامين الملوك!

السلطان حسن ليس مجرد بناء أو مكان عبادة, صحيح أنـه كان مدرسة أيضا كوظيفة أخرى للمنشاة تدرس فيها العلوم الدينية على المذاب الفقهية الأربعة, ولكن ليس هذا كل مافى الأمر, فالجامع كان بحق "جامعأ" شأنه شأن أرض مصر فأربعة مذاهب داخل أربعة جدران أمر ليس بالهين!
ولكن أعتقد أنه أصبح فى محل لم يصله غيره, فكما أنه ليست كل مقبرة هرما, فأيضا ليس كل جامع هو "السلطان حسن"!



ماذا عن الأعداد؟! يذكر"مولانا" الغيطانى أن الاثنتى عشرة درجة حجرية الصاعدة للمسجد من يمين ويسار المدخل ليست من الصدفة فى شىء فهى الاثنتا عشرة شهرا وهى الاثنتا عشرة ساعة نهارية ومثلها ليلية وهى الأئمة الإثنى عشرية لدى الشيعة, وكذا تبادل الحجارة فى المدخل بين الأبيض والأسود أو كما يسميه الأثريون "الحجر الأبلق" هى فى حقيقتها تعاقب للوجود والعدم, الليل والنهار, الحضور والغياب.. فما من شىء وليد الصدفة وأن المعمار هنا هو مجمع أفكار فلسفى شأن كل بناء مصرى صميم هو فى حوار دائم مع الكون المحيط.. هكذا قال الغيطانى!


كما أن النوافذ الثمانية وأعمدة قبة الفوارة " الميضأة " التى تتوسط المسجد ثمانية .. حيث الثامون المصرى القديم "الفرعونى" وأبواب الجنة الثمانية فى التراث .. " ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية" فى القرآن.. يرى الغيطانى وغيره من متخصصى العمارة والفنون الإسلامية هذا الأمر ولكن الغيطانى يراه بعين صوفية حداثية عاشقة للمكان موغلة بالبصيرة فى الزمان.
أجدادنا بيننا لم يرحلوا إذن..
يقول فيما أوحت كلماته أن الطاقية المجوفة المتوجة لقمة المدخل الحجرى الشاهق للجامع وهى مخوصة من الداخل فى تقعرها تأخذ شكل خوصى هو فى حقيقته ليس إلا استلهامات الأيدى السماوية التى تمنح الحياة من أشعة الشمس الآتونية فى منحوتات معابد الكرنك وهابو والرامسيوم.

هل كان للمعمارى المصرى فى العصور الوسطى الإسلامية استلهامات روحانية تجلاها الفنان المصرى القديم فى عصر "أمنحتب الرابع" صاحب التوحيد المصرى المعروف بإخناتون؟!

أم أن المكان هو الذى يمزج روح ساكنيه بإشراقات نورانية فيصعدون فى السماء عصرا من بعد عصرونفسا من بعد نفس حيث البنيان الحجرى طريقا للتجلى الإلهى؟!

أيهما طريقا للآخر.. هل البنيان مسارا أجتاز به متقربا إلى الله أم أن التوحيد الإلهى متشرب فى المكان فتتجلى العبادة والتوحيد فى تصميم البنيان؟!

أيهما سابق الآخر العبادة أم البنيان؟!
رحم الله الأجداد من مينا وحتى سعد!

أفِض علينا يا غيطانى بما رأيت من عظمة البنيان "بنيان الرضا"..
هكذا أتت شمس إخناتون الموحدة فوق مسجد السلطان حسن بفارق زمنى يفوق الثلاثة آلاف عام وفارق مكانى بين تل العمارنة "آخت أتون" وحتى قاهرة المعز لدين الله الفاطمى.


لا يعتبر الغيطانى المماليك ومنهم "قمارى" المعروف تاريخيا باسم السلطان حسن أجانب أو خواجات رغم كونهم جلبوا عبيدا صغارا, وذلك لأنهم تربوا منذ النشء بأيدى ورعاية مصرية وداخل حدود الوطن بما يجعل منهم مصريون لذا يصف الغيطانى الوفود العثمانى لمصر بأنه احتلال أزاح المماليك المصريون من سدة الحكم فى مصر, انهارت بعده الأحوال الفنية والاجتماعية والثقافية للمصريين بشدة خاصة مع نقل السلطان سليم الأول للفنانين المصريين وأرباب الصنائع والمعلمين والبنائين للأستانة وحرمان مصر من صناع حضارتها !


بينما أرى الفترة المملوكية بأنها فترة تفرض طبيعتها أن تكون انتقالية فيصعب عليها الدوام أو الترسيخ ولكن يرى عمنا "نجيب محفوظ" بأن مصر "مملوكية" وذلك فى إطار رؤيته الثقافية التى حاولت تأصيل الجذور المصرية من بين عدة رؤى أصلت بين فرعونية وعربية ومتوسطية وإسلامية وقبطية.. وذلك بما تركتـه تلك الفترة فى شخصية مصر ونفوس المصريين.

كمـا أن العصر المملوكى فى أغلبه عصر مؤامرات وصراع بين أولاء العبيد الذين فوجئوا بأنهم أصبحوا حكاما لبلاد النيل والأهرام وأمجاد الفراعين, ولم يكن السلطان يمثل لباقى المماليك سوى زميل سابق أسعده الحظ للوصول للكرسى , لذا فالانقلاب دائما وشيك, و كمية متوسطة من أدرينالين الغيرة كفيلة بتغيير مصير مصر.

وكان البنيان الدينى على عظمته وشموخه محاولة للتكفير عن الذنوب كصدقة جارية وتخليد الاسم وتمهيد العامة للوريث بتشييد دور عبادة للتخليد والدفن!

نجيب محفوظ مملوكى لاريب فيه, هو الوحيد الذى عاش فى عصرنا ورأت عيناه مجريات العصر المملوكى بكل أحداثه وصراعاته ومؤامرات الحكم وهى موهبة هيئها لـه المكان ومضموناته!


لذا لم يكن غريبا أن يفرد له الغيطانى صفحتين فى يوم 30 أغسطس 2009 - 10 رمضان 1430هـ - وسط سلسلة التجليات المصرية بمناسبة مرور ثلاثة أعوام على وفاته, فمحفوظ مملوكى عاش وسطنا "يرصد المؤامرات والعسس والنارجيلة" وليس غريبا أو مقحما على تجليات الغيطانى الرمضانية.

يذكر الغيطانى بان الإبداع لا يتوقف فى مصر إلا وقت شعور المصريون بالإهانة على أيدى أجانب غرباء أو مصريون فاسدون ظالمون وبعد أن ينجلى الخطر تعود للمصريين روحهم المفقودة... صدقنى يا غيطانى أننى رددت وراءك "آمين" وكأننى أصلى خلفك يا إمام !


يشرح الغيطانى بمبضع الجراح تدرج البناء منذ المدخل وحتى المحراب حيث المواجهة المباشرة مع الخالق وقدس أقداس العمارة الإسلايمة, فيعبر المدخل الشاهق فتقابله فيما يليه زخرفة "الميداليون" الدائرية على الجدران متكررة أربع مرات الأولى لا تكاد ترى زخارفها والثانية زخارفها أعمق ثم تتضح أكثر فى الثالثة فالميداليون الثالث كما يراه مكملا لدائرة هى إحدى سنن الكون فلو كان الاكتمال فى خط مستقيم لانتهى الكون فى الفراغ اللا متناهى أما الدائرة فهى تلك الفكرة التى تعيد سيرتها الأولى بعد الوصول إلى قمتها فتعود صفرا بعد عددا و وهنا من بعد قوة وعدما من بعد اكتمالاً, ثم يرى الميداليون الرابع مكتمل الزخارف بداخله, ثم تنتقل بعينيك إلى الميداليون الأول الباهت الزخارف فنرجع من حيث بدأنا فهذا مما يماثل رحلة الإنسان والكون فمن كمال وتعدد إلى فرد وهِــنا .. " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة".

البنيان حينما يُنطق الإنسان, والمكان إذا عشقه الإنسان تفانى فيه ذائبا هيمانا حتى يصير جزء من كل فينطبع كليهما بالآخرفى توحد أبدى.

نعبر باب المسجد وهو حدوتة مملوكية أخرى حيث أن باب البنيان العظيم هذا استولى عليه سلطان مملوكى آخر وهو المؤيد شيخ المحمودى (815/824هـ - 1412/1421م) وقام بتركيبه على مدخل مسجده بجوار باب زويلة وانتزع من جامع السلطان حسن أيضا التنور النحاسى "يعادل النجف الضخم الآن" ودفع مقابلهما خمسمائة دينار حسب رواية ابن إياس*** وتكرر الأمر مع مقتنيات مساجد عدة !

يبدو أن القيمة المدفوعة ليست مكافئة لقيمة الباب الضخم والتنور الفخيم والدفع هنا لحبس الكلمات واتقاءً لسخرية العوام فالمصريون حينما يجدون من تعسف فى بناء مسجد بطرق غير سوية أن يسخروا من بانيه ويطلقون على الجامع اسم "المسجد الحرام" فى إشارة لاذعة!

يشبه ابن إياس الحنفى طرق جمع مخصصات البناء ببيتى شعر:
بنى لله جامعا من غير حلـه فجاء بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد فرجها فليتك لا تزنى ولا تتصدق

كما قام بوضع مئذنتى المسجد فوق برجى باب زويلة حيث "شعار محافظة القاهرة حاليا".
لم يجد المؤيد شيخ المحمودى حرجا من إطلاق يد والى القاهرة نحو منازل القاهريين لانتزاع الرخام منها لتزيين مسجده, جنون ما يقود المستبد لسرقة الآخرة كما يسرق الدنيا.. مالهم كيف يحكمون؟!
نعود لمسجدنا "السلطان حسن" وتجليات الغيطانى وعبر المدخل الفاصل بين الحياة الخارجية والداخل حيث الاستعداد للقاء الإلهى بما يتطلبه من عبور المجاز بين الدنيا والآخرة نجد الدهليزو هو ممر مستطيل يلى باب الدخول غالبا ضعيف الإضاءة إلا بما يسمح بالرؤية, يفوق الظل فيه النور ويصب مباشرة فى صحن المسجد المكشوف فتنتقل من الظل حيث العبور وترك الدنيا والصخب إلى النور حيث تقترب شيئا فشيئا من اللقاء الإلهى فى صلاتك وبينهما ميضأة الوضوء حيث التطهر للقاء رب الوجود.

وهو مهبل الولادة الذى يخرج منـه الإنسان للحياة من حياة داخلية لحياة مفتوحة , ويشبه الدهليز المؤدى لصحن المساجد الضخمة فى مصر المملوكية فى إشراقاته بالدخول للهرم فإنك تدخله على أربع زاحفا كطفل ثم تجتاز الفراغ به على قدمين اثنتين ثم تعود لأربع مرة أخرى للدخول لغرفة الدفن !!


شكراً ياغيطانى .. أراك تحدثنى بأن المصرى يجعلك فيلسوفا بتفكرك فى مذكراته الحجرية الفرعونية والمملوكية, هكذا معه سر الحياة والموت, فلم يكن الفراعنة إلا فلاسفة جعلوا الحياة والموت دفتى كتاب فملكوا نواصيه وسطروا داخله ماشاءوا أن يسطروا..


أما المناور المفتوحة بلا سقف والتى تنير أركان المسجد وللتهوية أيضا شأنها شأن صحن المسجد وهذا صحيح بينما فى فلسفتها الروحية هى تواصل مع المحجوب بين البناء البشرى والسماء الإلهية, بين العبد والخالق.. هكذا المناور صلة والدهليز مهبل ولادة يعود منه الإنسان من الصخب إلى التوحد.

هل لديك المزيد يا غيطانى؟!
حسناً فاستمر.. ينكسر الدهليز الصاب فى صحن المسجد فيلوح فى الأفق جزء من إيوان القبلة "إيوان المحراب"**** لا يظهر كلية فللحضرة الإلهية ضياء سابح , ولن تتحمل البهاء يابن آدم فمازلت وليدا فى عالم الحق ورحلتك الكبرى قضيتها فى الحياة الدنيا ومازلت حديث عهد بالدخول بل أنك فى المجاز تسْبَح فلم تُتم الولوج!
أولم تؤمن بعد ؟ بلى .. ولكن ليطمئن قلبى!

كذا السلطان حسن وقت توليه السلطنة فى مصر كان طفلا صغيرا فى الثالثة عشرة من سنى عمره انقلب عليه المماليك فعزلوه بعد أربعة سنوات فى الحكم وعينوا أخيه الصالح صلاح الدين صالح, ثم عاد السلطان حسن مرة ثانية لمدة سبع سنوات!


الأساطير والخرافات ليست ببعيدة عن البنيان العظيم وكما قيل عن ابن طولون ومسجده الهائل بالقطائع, قيل عن كنز وجده السلطان حسن أسفل البنيان عند الحفر لأساسه ساعده فى تتمة تكلفة البناء!
كاد الأمر لا يتم لولا خشية السلطان من أن يقال عجز سلطان مصر عن تتمة البناء لانصرف عنه لكثرة تكلفته.
حاضرة هى مصر المكان والمكانة دائما فى الأفاق, تــُحرِك ولا تتحرك!

يبدو أن الأمر بـه نوع من التحدى أيضاً فقد ذكر ابن إياس أن إيوان القبلة بنى على قدر إيوان كسرى بعد قياس أبعاده بالمدائن وهو أحد أعاجيب العصور القديمة , فهل أرسل السلطان حسن من يأخذ القياسات من العراق ويأتى بها إلى مصر فيشرع فى البناء؟!
يعود نفس المصدر بعدها بسطور فيذكر أنه مما قيل أن الإيوان الكبير بالمسجد يفوق إيوان كسرى بخمسة أذرع!


يستكمل الغيطانى رحلته فى المحراب وموسيقاه الخاصة ومقابلة الله مباشرة بلا وسيط ولا مكان فاصل ثم يتجه للقبة الضريحية التى كانت معدة لاستقبال جثمان السلطان حسن ولكنه خدع الجميع و لم يدفن بها بل يقال أنه لم يدفن أصلاً قيل أنه قتل ورميت جثته بالبحر وقيل بل دفن بمصر العتيقة أو فى "مصطبة" ببيته ولكنه لم يدفن فى مقبرته التى أعدها لنفسه بمسجده, ودفن بها ابنه " الشهاب أحمد" المتوفى سنة 786هـ/1384م . وقُـتل "السلطان حسن" وهو دون الثلاثين من عمره فى مؤامرة مملوكية ليست مُستغربة تم فيها مطاردته والقبض عليه بطريقة لا تختلف كثيرا عما حدث مع الرئيس العراقى الراحل "صدام حسين" ولكن القاتل لم يكن أجنبيا!

يبدو أن المقصد قد نجح يا حضرة السلطان فلولا المسجد ما تخلد اسمك, فليس لدى أحد عنوان لك, ولكن تشاء الأقدار أن يزور أوباما "مسجدك" فى لقطة تاريخية وإعلامية فتـُعاد سيرتك الأولى من حيث قد نُـسيت!


نعود للغيطانى فى تجلياته تاركين السلطان فى مأساته, يستمر الغيطانى لثلاث "حلقات" يتأمل ويتصاعد فى كمال البنيان وموسيقى الروح بين منبر ومحراب وقبة ضريحية هى من الجمال آية, ولو أنها ليست من عصر الإنشاء إذ جددت فى العصر العثمانى سنة 1082هـ/ 1761م !
مهندس البناء ظل مجهولا معجزا ملغزا حتى كشف عنه الأستاذ /حسن عبد الوهاب - أحد قمم الآثارالإسلامية - وذلك فى يوم 14 نوفمبر سنة 1944م حيث عثر فى المدرسة الحنفية الملحقة بالجامع على إفريز من الجص منقوش عليه اسم "محمد بن بيليك الحسنى" بصفته "شاد البناء" أى ملاحظ عمارة وهو أقل درجة من المهندس ولكن وضع اسمه فى النص يقول أنه ذو شأن كبير وإلا لما ذكر اسمه بجوار اسم السلطان! *****

هل هذه هى الحقيقة ؟!
لا.. هنالك لغز ولا شك!
ملاحظ العمل ذكر اسمه من دون المهندس المباشر وبالتحقق منه وجد أنه ينتسب لأسرة مصرية وثيقة الصلات بالسلطان حسن نفسه, ولكن ليس من اللائق تجاهل نقش اسم المهندس "المخ الأعظم فى بناء الهرم التوحيدى هذا" فى وقت يذكر فيه اسم ملاحظ العمارة ومتابع الخطوات وهو من دونه درجة!


ولكن المهندس وضع لنا إشارة تذكرنا بوجوده دون التصريح باسمه, فلقد نقش فى المدخل الرئيسى للجامع رسومات أجنبية الطراز لا تنتمى للشرق العربى كأعمدة من طرز بيزنطية, بيت صغير ذو سطح جمالونى يأخذ شكل رقم ثمانية مفلطحة لكى لا تتراكم الثلوج على سطحه وهو منتشر حتى الآن فى البيوتات الأوربية ورسم كنيسة ومبنى آخر اجتهد بعض الآثاريون فى تفسير أنه كنيس يهودى لكى يكون المسجد فى النهاية يجمع الأديان الثلاثة السماوية على بابه!


بعيدا عن التفسير الأخيرالمريح للنفس راحة المكان ذاته , إلا أن تلك الإشارة ترجع ربما لعدم استطاعة المهندس ذكر اسمه "الأجنبى" , وفى اعتقادى يرجع الأمر لشىء من ثلاثة إما لعدم استساغة كتابة اسم مهندس أجنبى داخل المسجد بحروف أجنبية قد تمثل نشازا فى الزخرف والتكوين, حتى و لو كتبه بحروف عربية أو لعدم وجود روح تتقبل هذا الأمر مجتمعيا أو لإحراج طاله أن يطلب من السلطان مثل هذا الطلب لعدم ميل السلطان لقبول هذا خاصة لو كان المهندس غير مسلم, ولكنه قد فعل ما أراد "وهذا حقه" وحفر موطنه نقشا ورسما دون أن يكتب كلمة واحدة وفى مكان واضح, جرأة بالغة تقول أن المناخ كان به مساحات للشد والجذب, فيختفى اسم "محمد ابن بيليك الحسنى" فى خنادق المدرسة الحنفية مكتوبا, و تظهر إشارات المهندس الأجنبى صراحة دون اسمه فى واجهة المسجد!

كم هى غريبة تلك الحياة! أمر المهندس حدوتة تنضم لحواديت المماليك فى أرض النيل!
ويبدو أنه فى النهاية حدث اتفاق على ذكر اسم "شاد البنيان" المصرى كأول شخص يلى المهندس الأجنبى فى قائمة المسئولين عن البناء.

هل صمت الغيطانى عن هذا؟
بالطبع لا فمما يسوء حينا الصمت حيث للكلم موضعا!
يذكر الغيطانى أمر الكثيرون من المجهولين الذين فعلوا وفعلوا دون أن يصرحوا , فيسرح بعقله إلى كل من أبدعوا وحفروا وشقوا وبنوا وعمروا دون أن يتكلموا أو يذكرهم التاريخ بكلمة ثم ذهبوا فى سلام.
يذهب الغيطانى بخياله فورا لـ "سنموت" المهندس المصرى القديم الذى شاد معبد حتشبسوت "الدير البحرى" بالأقصر و كتب اسمه بخلفية الأبواب وليس بواجهتها كى لا يراه أحد فيفسده فيحفظ الاسم بالوجود الأرضى محاربا الفناء ويقول لمن سيأتون أن كان هنا قبلكم ذو شأن فانتبهوا وادرسوا!


يتنقل الغيطانى يوما بعد يوم فى رمضان فى قاهرة المعز حيث المماليك وأبنيتهم الحجرية الشاهقة وتراث يستلب من بين أيدينا ونحن عنه غافلون فيذكر الحواديت المملوكية بلهفة من يمتلك الأسرار, ثم تخبو فورته حينما يمر بمنبر سرقت حشواته العاجية والأبنوسية كمنبر جامع "الطنبغا الماردينى" فى وضح النهار وسرقة سياج معدنى مشغول بحرفية رائعة لنافذة سبيل "رقية دودو" بين اتهامات تدور بين رجال الآثار ورجال الأوقاف, يليها صمت سخيف وكل فى فلك يتهربون!

يتهم الغيطانى دولة خليجية صغرى بسرقة تلك الآثار و شراء المسروقات من اللصوص دون أن يصرح باسمها من حيث أعلنت عن إنشاء اكبر متحف يضم نفائس الحضارة الإسلامية من دون أن يكون بأرضها تلك النفائس و كان التاريخ عندها زائرا خفيفا !
كذلك يحذر من أن الدور القادم فى سرقة حشوات المنابرالمملوكية ستطول مسجدى "قجماس الإسحاقى" و"قايتباى" بقرافة المماليك ومن حريق قد يطول مسجد "قايتباى" لمهزلة أسلاك الكهرباء بالمئذنة وأسلاك إنارته كما ينار السيرك على وصفه!


يتنقل الغيطانى فى رمضان بين الآثار والشوارع وحكاويها فيتلقف ببراعة تناول المصرى المحب للستر من بعد الفضيحة لمسجد أم السلطان شعبان وسيرتها التى لم تكن على مايرام حسب اعتقادهم, و جامع أصلم السلحدار مملوك يصعد عبر أمواج الصدف والاجتهاد, ومسجد فاطمة النبوية حيث الرمز يسبق الجسد الذى هو غالبا غير موجود ولكن له مدفن ومقام راسخاً فى الأذهان قبل أن يكون مستقراً فى التراب, فمسجد الصالح طلائع وترميم محزن لا يناسب القدر و المقام ومن قبلهما الروح الفاطمية التى ينتمى إليها!
مقابر باب الوزير, البيمارستان أو "المستشفى" بلغة اليوم, كيانات ناطقة تشهد على من أتى ففعل وأدى فأكمل و ولّى.
المكان والناس و "مجدعتهم" التى شوهت واستبدلت بغريب الطباع, ومن الشوارع والمقاهى للناس وما يعتقدون.. طواعين شتى مرت بالبلاد أحدها عاصر السلطان حسن فحصد الأرواح, فاستغل الجامع فى عمل "تغسيل" جماعى للموتى, آلاف النفوس حصدت فى الطاعون.
تأمل الغيطانى الحجر وصبر فأنطقه واستخرج منـه مكنوناته, ليست حجارة متراصة وإنما أفكار وعقائد وفلسفات وخواطر وتأملات شُكلت بنائياً, فنال ثقة الحجر أن يحكى له ويبوح, فكثير من يرونها جماد و قليل من يعلم أسرار الأحجار.

تتسع الرؤية فتضيق العبارة, فيحل بالمكان ويتحد حتى يصبح الموت كائنا منطقيا حميميا منتظًرا وليس فجائيا غريبا كعادته, تتصالح النفس مع المحيطات والموجودات, فترى نفسك قد فعلت وتركت ما فعلت من خلفك شاهدا, فلا تخشى رحيلا ً. لقد تركت فى أثرك ما لن يرحل معك, ففعلك مجسدا خالدا والدنيا تهون فلقد قاربت اللقاء وأشرف اليقين يطلبك.. زائر ليس بكئيب استشعرته فى كلماتك أيها الأديب, بعد أن تشربته عبر المكان, لم تعد تخشاه كما نخشاه.. ذلك الموت!
فلو كُـشِف عنك الغطاء ما ازددت يقينا!
وتبقى مصر..
.................................................
* الصورة الأولى بعدسة " أحمد فارس" من جروب (حلوة يابلدى) والثانية بعدسة "خالد ذهنى" من جروب In Focus من موقع facebook.com.
** استكمل بناء أبراج القلعة شقيق صلاح الدين " السلطان العادل أبى بكر" سنة 604هـ/1207م.
*** ابن إياس - بدائع الزهور فى وقائع الدهور- الهيئة العامة لقصور الثقافة "الذخائر"- ج2-ص20.
**** بالنسبة لمصر يكون فى الاتجاه الجنوبى الشرقى حيث اتجاه القبلة مقابلا الحرم المكى.
***** حسن عبد الوهاب- تاريخ المساجد الأثرية-الهيئة المصرية العامة للكتاب - ط2- 1994م_ ص179.