الخميس، 30 يونيو، 2011

أولى كتاباتى بجريدة القـاهرة!

أولى كتاباتى المنشورة بجريدة القاهرة, الصادرة عن وزارة الثقافة بتاريخ 21-6-2011م بعنوان: "مرسوم سلطانى مملوكى يمنع مارسة البغاء فى المحلة الكبرى"
المقال موجود فى هذا
الرابط بشكل ظهوره بالجريدة..

وهنا على موقع مصرس ..
والمقال فى الأصل نشرته بشكل أكثر استفاضة بالمدونة فى فبراير 2009م , بعنوان
"بأمر مولانا الوالى" ..

الاثنين، 24 يناير، 2011

عن الجـخ وتأشيرته!

هشام الجخ حالة شعرية معاصرة مميزة للغاية وموهوب فى نظم كلماته.. أفادها التواصل التكنولوجى عبر الفيس بوك,, اتسعت خطاه فى فترة بسيطة تناسب السرعة التكنولوجية التى تحمل كلماته للأسماع قبل العيون .. ابتسمت له الحياة فى فترة قصيرة تجعله أقرب لاعبى الكرة منه إلى قبيلة الشعراء, وربما يكون هو "جدو" الشعر الحديث..أتابعه باهتمام وتجذبنى كلماته وتعبيراته وامتلاكه لشيطان شعرى مميز. أحتفظ بقصائده ويسعدنى سماعها بطريقته المميزة, وهكذا مرت الأيام القصيرة أو الشهور منذ معرفتى بشعره بالموازاة مع معرفة الشباب المصرى به عبر وسائط الإنترنت .. حتى رأيته فى مسابقة "أمير الشعراء" العربية والتى لم تجذبنى قبلا .. ولكن الحدث هذه المرة مختلف, فرض نفسه فشعر "الجخ" يصلك بدون تأشيرة".. ولكن "التأشيرة" جعلتنى أتمنى تمزيقها!

أولا: أبدأ بقصيدة "التأشيرة" كونها الحدث الأبرز بالمسابقة وبالإنترنت هذه الأيام.. قصيدة "التأشيرة" _ هى حالة شعورية مرتبطة بجائزة المسابقة ومحل المسابقة ونوعية المتابعين والجهة مانحة الجائزة أكثر منها أى شىء آخر.. وهذا مالايليق بالشعر ولا بتجربته, لذا فهى تعد من وجهة نظرى قصيدة تجارية بحتة الغرض منها مغازلة المزاج العربى الحنجورى والجماهير العربية التى لن تتوجه لشراء ديوان شعر ولكنها ستستمتع للغاية وهى تتشدق بشفاهها عل حال العرب وعزهم البائد بعد سماع القصيدة!

القصيدة تداعب الحناجر فقط الذين يهللون لأى شىء عروبوى أو إسلاموى وهى استمرار لنهج الشكوى الدائمة من كل شىء وأى شىء, وإلقاء اللوم على الحكام الذين يفرقون بين المحكومين الأطايب الذائبين عشقا فى عروبتهم ووحدتهم وأقاليمهم المتفرقة ولا يقول كفيلهم لآخر "إيش بيك يامصرى" , وأعتقد أن "الجخ" نجح فيها بامتياز أن يكون هنا تاجر ماكر أكثر منه شاعر..
وقد بلغ الهزل مداه فى بيته الجماهيرى الشعبوى "أتجمعنا يد الله وتبعدنا يد الفيفا".. متجاهلا يد الكفيل ويد المعاهدة ويد النفط ويد البدو ويد الوهابية ويد الصحراء المغربية ويد قبائل اليمن وشيعتها وقراصنة الصومال, وحلايب وشلاتين, وانفصال الجنوب, وأيادى سوداء كثيرة قد تكون الفيفا أطهرها يداً!

ثانيا : لقب أمير الشعراء ابتكره حافظ إبراهيم لشوقى بك ,, وهو حالة تاريخية متفردة, لا يجوز سرقة لقبها وإسقاطه على آخرين ,, ماذا سيكون الحال لو أصبحت "شيرين" هى كوكب الشرق لعام2011, ومن ورائها "إليسا" فى العام المقبل, وكيف سنقبل أن يطلق لقب "موحد القطرين" على حاكم ما فى تاريخنا المعاصر؟!
قد يكون هو الرئيس عمر البشير بعد توحيد دارفور وإيبى !

على كل حال هى خطيئة منظمى المسابقة أكثر منها جريمة المشاركين فيها, وهو أمر يجب ألا يفوت هيئة تعنى بالثقافة والفنون من المفترض فيها أن تحمى التراث الإنسانى والأدبى بشتى ملامحه لا أن تعبث به.. وهو ماغضضنا الطرف عنه جميعا, مثلما حدث مع برنامج قناة الجزيرة الشهير "شاهد على العصر" والذى يقدمه أحمد منصور وهو بالأساس اسم برنامج قدمه "عمر بطيشة" بالإذاعة المصرية!

ثالثا: "الجخ" موهبة شعرية فذة وأنا شخصيا أحفظ له بعض القصائد عن ظهر قلب وأستمتع بترديدها كلما أمكن .. ولكن اللقب هذا إن صح أن يكون لقبا أكثر اتساعا من قالب هشام الجخ أو ممن حوله فى المسابقة.. وكل ماقدمه الجخ لم يصل بعد لأن يحمل أى لقب سوى شاعر "ساقية الصاوى" مع كامل التقدير للساقية ودورها التنويرى والثقافى .. أو شاعر الفيس بوك0

رابعا: يحسب للجخ أنه بقدر الإمكان حفظ توازنه .. فأبواب الإعلام فتحت عليه فى زمن قصير .. كفيلة بأن تفقده عقله, وهو مازال غير مصدق ماهو فيه, ولا سنه يسمح له بأن يكون أكثر اتزانا مما هو عليه.. ويحسب عليه المبالغة فى الاستظهار والتصنع والتمثيل .. كما يحسب له فى بداية المسابقة رفضه عرض قصيدة "جحا" الشهيرة باعتبارها تنتقد الحكومة المصرية بحسب ما قال, وهو مما لا يتوافق مع مسابقة شعرية.. وإن كانت القصيدة تعد لطما على خدود الوطن وشق جيوبه على غرار "روح ماعدش ليا نفس أشوفك", أكثر منها نقدا للأنظمة المصرية التى حكمتنا متتالية!

أو مالم يقله أن الحدث الآن بدولة"عربية" وبين العرب "الأحباب/ الأشقاء" ما صنع الحداد .. والشماتة جاهزة.. كما أنه من قبل انتقد "محمد بن راشد آل مكتوم" فى أحد حفلاته بساقية الصاوى "مسجلة فيديو" باعتباره رمز سلطوى عربى كريه يرغب فى توبيخه بقصائده .. ولكنه الآن فى أرضهم يستجدى "المليون درهم" وبالتالى فلا داعى لفتح أحد الملفات لكى لا تجر بعضها بعضا !

خامسا: المسابقة التى يكون نسبة التصويت فيها عالية للجمهور على طريقة "إدى صوتك لابن بلدك" هى مسابقة إعلانية إعلامية شعبوية وليست أدبية ثقافية غير جديرة بأن تمنح لقبا فخما كهذا مع الاعتراض على اللقب بالأساس, ويصبح أبرز النقاد المحكمين بها هى شركات المحمول ..

سادسا: "الجخ" لا يصعد بالجمهور للشعر بقدر ما ينزل بالشعر إليهم, جمهوره مازال من فئة الشباب وأغلبهم ممن تفاجأ بأن هناك شعر يمكن سماعه .. يضجر بالشكوى من الوطن والحبيبة المستهلَـكة فى علاقة عاطفية جارى التشهير بها وبأيامها ووضعها فى ألبوم سيدات القيصر كازانوفا, والذى سرعان ما يتجه لله بالشكوى من حكومة ساقطة فى قصيدة تالية متقمصا دور الواعظ الحكيم الذى أفنى عمره عشقا للوطن دون المرور بدروب النساء, وهو مايناسب المزاج المصرى المعاصر المتناقض المدعى بغير مافيه فضائل وقيم وتدين قشرى سطحى .. فبدأ الشباب يسمعه, لكن لن يتعدى الشباب حدود هذه المرحلة ولا هذا الشاعر, ولا حتى هذا النوع من السماع .. فشيوع ثقافتنا السمعية أفادت هشام الجج بوفرة, وغالبا لن يستطيع غالبية المستمعين شراء ديوان وقراءته حين الطبع لعدم تقبل فكرة القراءة ذاتها!

سابعا: اعتبار الجخ لنفسه خلال برامج "التوك شو" بأنه ممثل رسمى للشعب المصرى أو للدولة المصرية فى هذه المسابقة بادعاء مبالغ فيه هو من قبيل الكوميديا السوداء, خاصة فى عبارته "احنا رايحين نجيب اللقب..ونرفع علم مصر".. ولا أبالغ لو قلت بأن الجخ فى قصيدته الأخيرة "التأشيرة" قد قدم اعتذارا ضمنيا أمام الاتهام العربى الأشهر لمصر بتخليها عن العرب, نافيا تهمة أقرب للبطحة المصرية الشهيرة على الجبهة, فكانت "التأشيرة" التى تساعده فى المرور إلى المليون درهم!
.....................................................
* الصورة بعدسة "معتز عبد العزيز" من جروب "المصرى لما يصور" بموقع Facebook.com

الجمعة، 1 أكتوبر، 2010

حبات السكر .. واحتضار شهر رمضان!

لم أكن أدرى سببا محددا لانسكاب حبات السكر من الملعقة فوق منضدة المطبخ, كلمت نهضت لعمل كوب شاى, ولكننى كنت أعتبره عيبا يضايقنى لأنه يضطرنى لعمل صعب بعدها وهو تنظيف حبات السكر المنسكبة وإزالتها, وهو عمل يمكن أن نصفه "بالغلاسة".. عليك فقط بتندية يدك بالمياه والمرور بها على فوق مكان السكر بنعومة حتى تلتصق بيدك حبات السكر ثم تغسلها بالحوض أسفل صنبور المياه الجارية فتتساقط فى الحوض بين الذوبان والارتطام بباطن الحوض "الستانلس" والعودة للمنضدة عدة مرات للقيام بنفس العمل المتكرر للقضاء على هذه الحبيبات اللعينة تماما, ولو استخدمت "منشفة" لعمل نفس الفعل بدلا من كف يدى لتضاعفت المشكلة, وأصبح من مهامى الجديدة نفض السكرالعالق بالمنشفة تحت المياه الجارية ويدى والمنضدة, وبعد المجهود أشعر بحبيبات السكر أسفل نعلى تصدر حكة مميزة بأرضية المطبخ.. فلا صدق ولا صلى!

غضضت الطرف حتى خبرنى صديقى العائد من رحلة سياحية لروسيا, بأنه نزل لدى أصدقاء روس ضيفا فى بيتهم, وعاش بينهم أياما وتعايش معهم و تحدثوا الإنجليزية وتبادلا معا بعض الكلمات العربية والروسية, فكان مما أردات إحدى فتيات المنزل معرفته حينما كان صديقى يقوم بتقطيع ثمرات الطماطم لعمل السلاطة أمامها محدثا "تلطيخ" للمنضدة بعصارة الطماطم _ أن تعلم كلمة معبرة عن سبب ما يجعل الإنسان يقوم بسكب عصارة الطماطم خارج الصحن المخصص_ فما كان من صديقى إلا الضحك وقام بتعليمها كلمة "معفن" .. فكان أن رددتها الفتاة لبضعة أيام كلما قام الصديق بفعل لا تدرى له سببا منطقيا كإلقاء غطاء زجاجة خارج سلة القمامة أو وجود قطرات مياه بجوار الحوض عند استخدام المياه لأى سبب!

ذهب صديقى لروسيا سائحا, وعاد وقد نقل للروس الدلالة العملية لكلمة "معفن" محدثا تواصلا ثقافيا بليغا!

عدم وجود الشىء بمكانه الطبيعى هو من سمات مجتمعنا المعاصر, مع عدم اقتناعى بوصفنا بتعبير "مجتمع" حاليا, ولكن ما لدى تعبير آخر, عدت ثانية للتفكير فى أمر حبات السكر التى تتساقط منى مسببة لى إزعاجا دائما, ربما يكون استعجالى وسرعتى سببا, ولكننى أرى أن السرعة ليست تعنى بالضرورة الإهمال, وأؤمن بأن كل فعل له صيغة سليمة نموذجية وعشرات الصيغ الممسوخة الخاطئة.

تذكرت طفولتى وخبرات الحياة الأولى فى بيئة شعبية من المفترض أنها محل للطبقة وسطى, حينما يبدأ بتلقفك أطفال الحى ناقلين خبراتهم العميقة إليك, فى مجتمع الطفولة كهذا الذى نشأت به لا شىء سوى النموذج الواحد والصواب الواحد, وأى فعل لك فى أى شىء أى فكرة يعنى بالضرورة توجيه عبارة " انت خيخة ماتعرفشى حاجة", ثم جمع الرفاق لإخبارهم بخيبتى القوية من حيث أننى لا أدرى ماهى "السقالة" ولا ماهو عدد "كرسى الطوب" الذى يحمله عمال البناء فوق ظهورهم, ولا أعلم معنى "حبلة" فيخبروننى أنها تعنى "حامل" لأنها ترتدى دبلة فى يمناها!

والدبلة بدرجة كبيرة لدى أطفال الحى تعنى أن الفتاة مرت بمنطقة تخلو من السكان فخرجت من الجهة الأخرى حاملا.. كما أننى لا أدرى معنى عبارة "حتة مقطوعة" فلم يسعفنى عقلى بأن "الحتة" تعنى مكان ولا هناك تصوركيف يقطع هذا المكان ولا بأى آلة!
ولا أدرى أيضا ما يعلمه الرفاق بأن الطائرة المارة بسماء المدينة لابد أن تكون حينها فى "مصر" أى القاهرة, دون أن يقدموا أى مبرر لعقلى الصغير بمصدر هذه المعلومة الجغرافية والهندسية!
كما أننى أحمل الحقيبة فوق ظهرى مملوءة بكتب اليوم الدراسى, أو أننى أخشى أبى الذى قد يجذبنى من الشارع فى أى وقت وفى ذروة أى لعبة جماعية أشارك فيها , بنداء واحد من شرفة المنزل, أقول بعدها لبيك!
هذه كلها عيوب لا تغتفر تجعل منك "خواجة" صغيرا وسط الرفاق, وعليك أن تولد عالما خبيرا لكى تتقى شر السخرية!

لم أكن أدرى حينها أن الحياة ستسير بنفس الفوارق بينى وبين الرفاق لنهايتها, فحتى الآن الأمر كما هو لم يتغير شىء.. فالسلوك الشخصى والمضمون الفكرى لصاحب السطور يسير بمفرق عن السلوك الجمعى للبيئة المحيطة, ولكن فى الكبر أدركت أن البيئة المحيطة ليست الحى المتوسط الذى أسكنه, ولكنه الوطن ككل من الإسكندرية لأسوان.

ولكن شىء ما يرتبط بحبيبات السكر أعتقد أنه قد نال منى بسبب صحبتى لرفاق الصغر, فرد الفعل الذاتى الوقائى لطفل ينظر من زاوي الطفولة الضيقة يجعله يبدى خبرات واهمة بأى شىء ليثبت حضورا فى مثل هذه المواقف, ولا بد أن تكون خفيف الوزن سريع الحركة, تبدى علمأ بأى موضوع يثار حتى لو كان يخص البيت الرئاسى الأمريكى, لسبب ما كان الرفاق يتهموننى بالغفلة لأننى أنكرت عليهم قولتهم بأن أمريكا مكانها أوروبا, وأن أوروبا نفسها هى عاصمة لبريطانيا!

بدايات "الفهلوة" تظهر بالطفولة, فخبرات الرفاق لم تكن تؤسس بأى معلومة دراسية تلقونها بالمدرسة, فيكفى أن تعلم أن والد الرفيق حكى لابنه بأن شقيقته ماتت على يد عفريت, لكى تكون أنت جاهلاً بحيل العفريت و بعظمة أبيه وبشقيقة أبيه الراحلة وبالحياة جميعها.. أب رفيقى هذا كان عاملا بشركة قطاع عام لا يقرأ ولا يكتب.. حتى الآن لم أرى عفريتا ولم يصادفنى أحدهم ليعرفنى بنفسه!

كان لا بد من مجاراة الرفاق, لإنقاذ الذات من هوى السخرية والخروج عن الجماعة, إذن أنا أعلم .. أعلم أى شىء وكل شىء تثار سيرته, أؤدى أى فعل.. فكيف لى أن أقول أن شيكارة الأسمنت ثقيلة, إنك إذن لمن الفرافير, ولكن ابحث عن مخرج عندما تأتى سيرة شيكارة الأسمنت.. شيكارة الأسمنت فى الأحياء الشعبية إحدى رموز الرجولة والقوة و قدرة التحمل.

تسرب السكر من ملعقتى هو نتاج للفهلوة وإظهار القدرة على الفعل البهلوانى السريع, واستعراض المهارة, لماذا تكون علبة السكر بعيدة عن الكوب؟ لماذا لا أضع علبة السكر بيسراى فوق الكوب مباشرة لكى لا يكون هناك مسافة بينهما تسمح بانسكاب السكر؟ ولماذا نحتقر من يسير على أًصول الأشياء.

قرأت مؤخرا لكاتبة لا أتذكر اسمها للأسف عبارة "نحن مجتمعات لا تقرأ الكتالوج", نحن مجتمعات تجرب بنفسها وتضع خطة أخرى للآلة غير التى أعدت لها من صانعها, لذا فنحن أسرى الأخطاء المتكررة مع الآلات, والتى تخرج من إطار القضاء والقدر, إلى إطار الغباء والهمج!

إبعاد علبة السكر بيسراى عن الكوب المعد لالتقاط السكر, هو فهلوة وسرعة ونفاق مجتمعى أصيل منذ الطفولة, لإبداء المهارة أمام النفس والرفاق والفراغ والخيال, وإظهار المقدرة أننا "لهلوبة" نفعل كل شىء بمهارة وبسرعة, ونحتقر الحريص على فعل الشىء طبقا "للأصول", بأنه "فرفور" لا يعرف كيف يعد كوب شاى بسرعة ومهارة, حتى لو ترك المكان بعده نظيفا هادئا يسر الناظرين.

حصيلة فهلوة الأداء يكلفك جهد تنظيف المكان إن كنت تهتم بالنظافة, أو هو جهد سيتحمله غيرك إذن, ومياه مهدرة فى سبيل التنظيف, كان من الممكن توفيرها, وكمية من السكر ستذهب إلى الفناء بلا داعى!
بجمع هذه الحبات التى تتساقط من الكثيرين, بالإضافة لقطرات المياه ولترات المياه المفقودة عبثا فى كل اتجاه, بدءا من ميضأة كل مسجد, ونهاية برش الشوارع "لتنييم" التراب, وجهد الحديث عن البديهيات وشرح الخطأ لمرتكبيه, أعتقد أن مليارات الأشياء والأموال والساعات الزمنية والأعصاب, مصيرها الانفلات والضياع العبثى فى اللا شىء!

إرضاء مجتمع النفاق الطفولى لا ينتهى بحد أو بأمر أو بعمر, فالرفاق لم يكبروا بعد, ولم يكفوا عن التكابر, ومازالوا يتفنون بإبداء خبراتهم الخرافية بكل الأشياء فمنهم من يقود "موتوسيكل" لا يحمل "نمرة مرور", و هو أمر رائع يجذب التوقير لصاحبه, ومنهم من يقود "توكتوك" وجواره صاحبه على مقعد القيادة, وقطعة الحشيش بعلبة السجائر انتظارا لآخر الليل !

كمان أنهم ليسوا بحاجة لأن يقنعوك أن الشعوب الغربية هى شعوب أقل منا لأننا مؤمنين, وهى امتداد لحكاوى الطفولة المتداولة, بأن الله عرض عليهم الجمال والمال فقبلوه, وعرض علينا الإيمان فقبلناه, وكل اختار طريقه, ولأجل هذا شعرهم أصفر وعيونهم ملونة وبشرتهم فاتحة, ولكننا فى الآخرة سنستبدل المواقع والسِحن, فنحن فى الجنة حتما!


شهر رمضان
منذ بضعة سنوات انقطعت عن أداء صلاة التراويح بالمسجد, لأن الشهر الكريم كان يأتى فى فترة شهور حرق قش الأرز بالدلتا وهى تتراوح منذ بدايات سبتمبر وحتى بدايات ديسمبر, ولكنك تبدأ فى شم الرائحة المميزة بالدلتا بداية من أواخر شهر أغسطس, لذا فالنزول من المنزل من وقت المغرب يصبح مأساة وضرر بالغ للصدر والأعصاب, واكتفيت بالعزلة وغلق النوافذ والبلكونة جيدا من الداخل والقبول بالحصار وإرسال الشكاوى للإعلاميين وبرامج التوك شو, الذين لا يهمهم الأمر لأنهم بعيدا عن تلك الإبادة الجماعية التى تجرى لسكان الأقاليم!

كما أن المسئولين متورطين فى الأمر بغض النظر عن جهالة فعل "الفلاحين" لأنهم أيضا لم يقوموا بواجبهم بتوفير ماكينات تكديس القش واستخدامه وفق ما يعلنون سنويا, كما أن بعض من رجال الأرصاد الجوية والبيئة يعلنون بالمخالفة للواقع أن "قش الأرز" ليس هو السبب فيما أسموه بالسحابة السوداء, سواء بالتواطوء مع المسئولين بالبيئة أو بعد قبض المقابل لتلك التصريحات المضللة!


بعد مرور عدة سنوات على هذا الانقطاع, وقدوم شهر رمضان هذا العام فى ثلث شهر أغسطس وهو قبيل حرق القش, وجدت أن الشهر قد ارتبط لدى بالحبس الجبرى فى المنزل, ومحاولة تجنب أى محاولة يائسة لفتح نافذة أو باب الشقة لخروج فرد من الأسرة أو دخول آخر, فالفتح والغلق يجب أن يتما بسرعة كبيرة قبل تسرب هواء الخارج للداخل, وهو يحدث شئنا أم أبينا ولكن فقط أحاول أن أجعله بأقل صورة ممكنة.

لم أستطع أن أصلى التراويح أيضا هذا العام على الأقل فى النصف الأول ولم يكن حرق القش بدأ بعد, فالأمر أصبح ارتباطا شرطيا, بين شهر رمضان و بين تعذيب الحبس المنزلى ونفاذ الهواء الملوث إلى الشقة المغلقة من ثغرات شقية تزامن أقصى ارتفاع ممكن للحرارة طوال العام بمصر, فتتحول الحياة لجحيم!

بعد ثورة استيراد "التوكتوك" تنفيذا للبرنامج الانتخابى للرئيس مبارك فى عام 2005م,أصبحت الشوارع الجانبية بالأحياء والتى كانت تتميز ببعدها عن ملوثات وسائل النقل وضجيج محركاتها وآلات التنبيه, تفاقمت مشكلات هذه الأحياء, بإضافة مشكلة جديدة, مع وجود عدد هائل من "الفسبا" والموتوسيكلات فى المدينة لرخص ثمنها نسبيا, تحولت الشوارع لمرتع لحثالات بشرية تقود ماكينات خربة, تطلق عوادم السولار المحروق بقسوة فى صدور السكان غير المدركين لحجم الكارثة, وتطلق نفيرها طوال اليوم وحتى الثالثة فجرا كل يوم رغم أن الشوارع تكون خالية من المارة, مع وجود السماعات الضخمة بالتوكتوك, والتى يستخدمها الصبية القائدين بأعلى درجة صوتية لها..

أصوات المساجد فى أعلى درجاتها تنفيذا لعبادات ونوافل شهر رمضان, والصلوات بالشوارع أكثر منها داخل المساجد, لم أكن أتحمل أن يمتعض وجهى محاولا كتم أنفاسى لمنع استنشاق دخان القش -ما أمكننى- أثناء الصلاة, تمر "التكاتك" خلف صفوف الصلاة فتطلق "كلاكسات" لكى تنافس ميكروفونات المسجد ارتفاعا, وتبلغ تنبيهها لأى مار ولو من بعيد. لم تعد أصوات النفير تنبه أحدا, فهل تطلق فى كل اتجاه وكل وقت, حتى اعتادها المارة, فأصبحوا لا ينتبهون لها ولا يعيروها اهتماما, حتى لو صدمتهم حافلة, تماما "كجهاز الإنذار" بالسيارات الذى أتى به البعض للوجاهة الاجتماعية, و يعمل طوال الليل كلما قفزت قطة فوق السيارة أو لامس السيارة مار بالصدفة, واعتاد صاحبها والجيران صوت الإنذار, حتى إذا ما جاء يوم سرقتها لا ينتبه للسارق أحد. رائحة دخان سجائر تأتى من خلفى, حاملة نتن يخرج من صدر فتى يقود "توكتوك",وأخرى تأتى مع أنفاس مصلى يقف بجوارى, محملة أنفاسه بتوابل إفطاره ممتزجة بسجائر ما بعد الإفطار, يزداد امتعاض وجهى, ألعن من أنجب هؤلاء الحمقى المنفرين فى خيالى, أعقاب السجائر المطفأة تلفت نظرى على الأرض يمينا, وهناك بصاق بدأ يجف, وعشرات بقع البصاق الجاف.. كيس قمامة غير محكم الغلق تخرج منه بواقى أرز وقشر بطيخ وخصلات شعر وكافولة أطفال وحوله بعض الحشرات, هذا فى الشارع أمام المصلين.. أصوات مساجد أخرى تأتى إلى أسماعى, تجعل إمام المسجد يتلعثم فى آيات القرآن نتيجة تداخل الأصوات, أدعو الله أن يخلصنا مما نحن فيه, أعلم أنه لن يحدث, لعن الله كل شىء..هذا ما يأتى فى ذهنى وقتها.. لا أعتقد أن هذه الهواجس تناسب صلاة تطوع أو حتى فريضة..ولا أن لى صلاة محسوبة عند الله بالأساس .. أية صلاة تلك ؟.. امتنعت عن الخروج الرمضانى للصلاة أو لغيرها.

ماذا عن هؤلاء المصلين حولى؟ ألا يلاحظون ما أرى؟ ويؤرقهم ما يؤرقنى.. إما أنهم يحومون فى ملكوت الله مسبحين بالأصيل, تشغلهم العبادة عمن سواهم, وفى هذه الحالة أكون أنا وحدى العاق العاصى, وإما أنهم يدركون ما حولهم ويتمتعون بالصبر وفى هذه الحالة هم أيضا أناس أفاضل مؤمنون, يعبدون الله ما أمرهم, وإما أنهم هم أنفسهم أصحاب تلك القاذورات التى يصلون فيما بينها ويألفونها, وهو أصح الاحتمالات لأنهم أبناء الحى ذاته ولن تخرج القذاورات عن مساكنهم, وفى هذه الحالة هم من عديمى الإحساس المنافقين الذين يملأون الشوارع عشوائية وقبحا وبصاقا ودخانا ونفاقا وبذاءة!

هم أيضا "المتنرفزين" جدا لأنهم صائمون, الذين يفرغون عصبيتهم على أهل بيتهم, والجماهير المتعاملة معهم فى مقر وظائفهم, ويتلونون بالضحك فورا إذا ما حدثهم صديق قبل الإفطار على الهاتف!
علامات الصلاة فى الجبين لا تزيدهم فى نظرى إلا قبحا!


أسأل الكثير من المعارف والأصحاب وحتى بعض ممن لا أعرفهم وأجرهم للسؤال عن حرق قش الأرز, فأجد إجابتهم تتراوح بين عدم الإحساس بالدخان من الأساس وبين عدم الاهتمام بالأمر وتفاجؤهم بالسؤال.. والبعض يرد بعبارة "يعنى جات على دى..ما كل حاجة بايظة".. أعتقد أن انهيار جهاز الإحساس بالمتغيرات البيئية لدى المواطنين, وقبول حواسهم لفساد المحسوسات يعد نتيجة منطقية لانهيار تراكب آدميتهم التى ضاعت بالتتالى دون محاسبة, حتى أصبحت حواسهم لا تميز بين الطيب والخبيث.. فلا ينزعجون لشىء .. كما أن وجود نسبة كبيرة من المجتمع المصرى من المدخنين, والمدخنين فى مصر من النوع الشره فقط, فلا تجد من هو مدخن فقط دون أن يكون شرها, لها أثرها فى تقبل الجهاز التنفسى لأية ملوثات بالجو دون الشعور بفارق.. ولكنهم للحق يتحدثون ليل نهار فى الفتاوى وزى النساء!

شهور الخريف, أجمل فصول السنة, تم تحويلها لعذاب مقيم من الدخان و حرارة الجو وملوثات البيئة, جدير بالبيئة أن تعادينا, لأننا نهينها فعلا بملوثاتنا وقولا بجعلها كلمة للسباب والتهوين من شأن الشخص "بيئة"!

نسبة كبيرة من منازل الحى تقريبا محلات بالطابق الأرضى, طبقا لما أرادته الدولة الانفتاحية الاستثمارية بتشجيع ما سمى المشروعات الصغيرة, فحولت الأحياء السكنية إلى ضجيج مستمر غير منتهى وأسواق عشوائية, يبيع سكانها الأشياء لبعضهم البعض بالفهلوة والجشع وبضائع بئر السلم, وبكل محل بقالة أو صالون حلاقة أو منظفات أو عطارة أو ورشة صغيرة أو نجار بالإضافة لمحلات الفول والطعمية, وما اصطلح على تسميته بمحلات "الألبان".. ولكل منهم ذوقه الخاص, والذى يقوم بفرضه على من حوله, فيشتعل ضجيج اسطوانات الأغانى فى تنافس بغيض فيما بينهم, يزداد جنونها فى الشهر الفضيل بالقرآن الكريم والأغانى الدينية بصوت عالٍ أيضا لبضعة أيام وبعد التعود على وجود شهر رمضان, تبدأ أغانى "نفسين ع الشيشة" فى الظهور بنفس درجة الصوت المزعجة.. رمضان تحول إلى كابوس مزعج, وانتقل من مساحة البهجة إلى الهياج!

رمضان التليفزيونى لا يقل بهرجة وصخبا, فالإنتاج الدرامى المميز لمصر, انتقل للعبة فى أيدى الإعلانات, ليجعل الدراما المصرية كثيرها فاسد, أقلها جيد ضائع وسط الزحام فلا قيمة ثقافية له, وتنافست الفضائيات فى قتل روحانية الشهر, بزيادة حصص البهرجة والزخم وبرامج" الفضيحة" والمواجهة وتبادل السباب.. وربما يحسب لهذه البرامج أنها نقلت إلينا وجوه حقيقية لأفراد كانوا يظهرون كجادين, ثم أظهرت حقيقتهم شيكات الفضائيات, كإبراهيم عيسى ووائل الإبراشى ومجدى الجلاد, والذين تنافسوا فى تقديم الغث والأغث!

لا أتذكر أن أغنيات رمضان الشهيرة وأدعية النقشبندى, والتى خلقت لرمضان بهجته فى مصر والدول العربية قد شاهدتها منذ أعوام كاملة أو دون إفساد بتركيب الصوت على خلفيات حداثية أو كارتونية دميمة, أو بتصويرها الأصلى على أى قناة تليفزيونية.. المسلسلات تجعلنى أشعر بالدوار حتى مع الحرص على عدم الانجراف معها, بل وربما عدم جلوسى أمام التلفاز إلا فيما ندر, ولكننى كنت أشعر برغبة صادقة فى انتهاء شهر رمضان للتخلص من كل هذا الضجيج المحيط بى والذى يوجهنى لانهيار الأعصاب..

رمضان الآن مقتول عن عمد, ومشوه وزائف, وكل ما فيه فاسد حتى دور العبادة ومن هم بداخلها وحولها, وغالب الذين قالوا "والله بعودة يا رمضان" اعتبرتهم فى إطار المنافقين الكاذبين المروجين للهيصة!
ورغم أن رمضان زمانا ومكانا يعد كيانا عبقريا لإنعاش الناس روحانيا, إلا أننا قد قمنا بقتله فى إطار كراهيتنا للحياة وما بها وهو جزء من هذا الدين الذى تحول لمسخ من الأذكار والطقوس العقيمة على يد الأتباع, كما أنه بهذا الشكل الفريد دونا عن الدول الإسلامية جميعها يعد ابتكارا مصريا خالصا, أيضا قتلناه فى إطار كراهيتنا المنظمة للوطن وما به!
لم يعد فى رمضان بالنسبة لى أى تميز روحانى أو ثقافى أو حضارى, فأصبح بمثابة "علقة" سنوية أخشى من مقابلتها عن حق, لأننى أعلم أننى أنتظر جرعة زائدة من العشوائية والدمامة والنطاعة التى أحياها طوال العام, ولكن أكثر ألما.
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
* الصورة للفنان التشكيلى "محسن أبو العزم" من موقع fenon.com

الخميس، 22 يوليو، 2010

تدوين فترة النقاهة!*

صادقتنى منذ بضعة سنوات, ظهرت فى حياتى على استحياء ثم زاد وجودها حتى أصبحت طاغية..
فى البدء لم أكن أدرى كنهها, فقط لاحظت بروزا بدأ يظهر فى جسدى بشكل طفيف أقنعت نفسى أن الأمر لا يعدو وهما أو سرطانا ولا وسط بينهما..أتمتع بوسوسة مخابراتية تنفعنى حينا وتجلب لى نظرات الاستهجان أحيانا.

تحدب بسيط يعترض استقامة الجلد..حسنا قد يختفى بعد أيام, إنه لا يؤلم كما أنه غير ملحوظ..
كل الأورام السرطانية لا تؤلم كما أخبرنى الأطباء..
أتجاهله إلى حين.
أنصح الأصدقاء دائما بالتعامل الطبى المبكر مع أى طارىء, وأدفعهم دفعا للكشف الطبى وعدم الاستهانة به مهما كان بسيطا, لكننى أتعامل بشكل مختلف بعض الشىء إذا ما كان الأمر يخصنى. أعطى لنفسى جرعة من التفاؤل الحذر وأؤخر زيارتى للطبيب إلى الفرصة ما بعد الأخيرة..

أكره الانتظار فى عيادات الأطباء, وأكره الجلوس فى العيادة بجانب مدخن ينتظر الدخول للطبيب, وأكره زيارات صديق للطبيب قبل الكشف على دون الاعتذار عن التعطيل, وأكره الاحتراز من العدوى من المرضى بالعيادة حيث أشعر أننى الوحيد الذى يخشاها وجميع المرضى قلوبهم من فولاذ, وأكره النظر لمريض يخرج من غرفة الكشف بالأشعات تظهر به إصابة أو عرج أو أثر لفعل طبى, وأكره لحظة نطق التشخيص من الطبيب, وأكره تعالى الطبيب وبخله بالمعلومات الدقيقة على مرضاه واعتبارهم جهلاء لا يدققون فى مسمى التشخيص وصفاته ومسبباته, كما أننى لا أتعامل مع الحقن حتى لو كانت تحمل لى الشفاء, وأكره الطبيب ذاته للأسباب السابقة إذا ماتوفرت فيه..وغالبا ما تتوفر هى!

ملحوظة: لست جبانا على أى حال فقد أُطلق على طلقة رصاص مرت فوق رأسى من قبل ولم أهتز, ولكن الحقن أعتبرها عدو عاقل يتربص بى!

لم يلحظ أحد هذا الطارىء الجديد, رغم أن المكان ظاهر للعيان, لذا فلم تنعم أعينهم علىّ بنظرات الخضة و التساؤل والنصائح التى يجب على فعلها, هذا بعد أن يقومون بتشخيص الحالة بأنفسهم, وتقديم الاقتراحات السديدة لى وما يجب على فعله, و يسردون قصص بعض من أقاربهم ومعارفهم الذين مروا بحالات مشابهة تراوحت بعد الكشف عنها بين الكيس الدهنى والحمل الكاذب!
إذن فليطمئن قلبى الأمر بسيط غير ملحوظ .. ولتخفت وسوستى قليلا..
أعلم أنها لن تخفت..

شُغلت وشَغلت نفسى بعمل إضافى جعلنى أهون من شأن هذا الطارىء الذى نما قليلا وأعلن عن نفسه بوضوح خلال فترة انشغالى, ولكن أغلب الأصدقاء لا يعلمون.. مما جعلنى أعتقد بقصر نظر الكثير من الأصدقاء أو عدم إخلاصهم لى وإخبارى بحقيقة ما يرونه قد جدّ بى, ولكننى رجحت سببا ثالثا وهو أنهم تائهون لا ينتبهون للمستجدات العظيمة فى الحياة كهذا الضيف الذى جد بحياتى!

لا أدرى كم من الوقت مر منذ ملاحظتى لهذا الطارىء أعتقد أن أننى اطمئنيت لهذا الضيف الذى حل بجسدى حتى أصبح عمره يقاس بالسنين وليس بالشهور.. حتى لحظتها لم يكن الأمر يدخل فى إطار الظهور المؤثر شكلا!

منذ عامين أعلنت عن ضيفى لبعض الأصدقاء بالعمل الذين لم يلاحظوا أى شىء قبلها, فبدأوا فى نصيحتى على الفور حتى قال لى أحدهم بلهجة الواثق : اطمئن "فلان" صاحبى كان عنده بتاعة زى دى .. والحمد لله دلوقتى ..
أنـا: خف؟
زميلى: بيتعالج بالإشعاع..
أنــا: سرطان؟
زميلى: أيوة بس زى الفل وبيتحرك ويجرى .. اطمن.
أنــا: حاضر هطمن.

بعد إخبارى للزملاء بدأ البعض الآخر يعلن لى ملاحظتهم لهذا الورم منذ فترة, وبين الفترة والأخرى يلحون على فى أخذ قرار إجراء الجراحة والآخرين يقولون اسحب عينه بحقنة وحللها, والمحايدون يقولون المكان خطر بعض الشىء بلاش عملية.. أغلب الزملاء يتراوح تخصصهم بين التجارة والآداب ولكن أكثر النصائح الطبية الدقيقة كانت تأتينى من حملة الدبلومات الفنية!

أحد الأطباء قال "نفتح ونستأصل ونحلل الورم" ووجهنى لعمل تحليل دم , فكانت نتيجته طيبة تقلل من مخاطر الإصابة بورم خبيث.. والآخر نصح بتجاهلها تماما فهى مجرد التهاب غُدى بسيط, لم يرجع بالغدة لأصلها لأن الميكروبات تجعلها دائمة فى حالة يقظة, سألت ومن أين تأتى الميكروبات سبيلها للغدة؟ .. رد على الفور : من أى حاجة حتى لو من فرشة الشعر عن طريق فروة الرأس عند الحلاق..

أعلم جيدا أنى لا أمشط شعرى بفرشاة الأحذية ولا بفرشاة جارى المريض بفيروس سى .. من أين تأتينى هذا الميكروبات التى تجعل الغدة ملتهبة لبضع سنين؟ وأى غدة تلك التى لديها استعداد للالتهاب مدى الحياة؟!

لم يقنعنى كلام الطبيب الشهير ولكنه جعلنى أرتكن للوضع الراهن لعام آخر كمخدر موضعى لوسواسى!
ذهبت له ثانية بعد كبر حجم الورم بشكل واضح أكثر من ذى قبل.. فوجدت نظرة الدهشة على وجهه, ووجهنى للجراحة.. فسألته: هكذا بدون أشعة؟!
فقال: لو عاوز.. اعمل أشعة!

ووجهنى لعمل أشعة تليفزيونية بناء على رؤيتى أنا الطبية.. وبالفعل قمت بها, لم أستطع صبرا فسألت طبيب الأشعة أخبرنى بأنها "ليبوما".. كتلة دهنية ولكن المكان ملىء بالشرايين المؤدية للمخ..المكان حساس..
بحثت على الإنترنت عن "lipoma" فوجدت من خلال عدة مواقع أنها ورم شحمى غير قابل للتحول لخبيث.. فحمدت الله وارتكنت لما أنا فيه لفترة أخرى!

أؤمن بمثل إنجليزى يقول " قِس مائة مرة واقطع مرة واحدة"..وهو مثل يناسب وسوستى على كل حال.. بعد رحلة من التفكير مدتها عام آخر قررت إجراء الجراحة بعد انتهاء كأس العالم.. بل أخذت القرار النهائى أثناء مشاهدتى للمباراة النهائية بين أسبانيا وهولندا!

قمت بالإجراءات والسؤال عن الطبيب المناسب, وللحق فكل طبيب أستفسر عنه كان يقال لى فيه قولان ..الأول أنه طبيب ماهر وليس له مثيل والقول الثانى أنه "حمار".. هكذا بلا نقاش!
فعلمت أن الوجه الآخر للمهارة فى بلادنا هى "الحمورية" وليست قلة المهارة لا سمح الله..

السؤال الثانى الهام للغاية بالنسبة لى : أى المستشفيات لا تنقل فيروس سى أو العدوى لكى أجرى بها العملية.. لمحاسن الصدف قابلت حالتين نقل لهما فيروس سى خلال عمليات جراحية بمستشفى خاصة تعد هى الأرقى بمدينتى ..الإهمال لا يعرف خاصا من عام!
استقر الرأى على مستشفى حكومى بعد التقصى عنه وجدت أنه ليس بالفخم ولكنه أيضا يتمتع بنظافة طيبة, وهذا هو مايهمنى..فتوكلت على الله.

رحلة أسبوع فى التأمين الصحى ليست بالكثير على من تلقى نصف تربيته طفلا فى طوابير الخبز..ولكنها أتت ثمرتها بنجاح.. بعد الإجراءات الإدارية و "الختم مش واضح" و حتى التحويل "للممارس" الذى حولنى للأخصائى قائلا لى : لا تخبره بالتشخيص الذى معك بالأشعة واتركه حتى يعرفها وحده دون مساعدة..فشاهدت فى كلماته حساسية بين الممارس المكتفى ببكالريوس الطب وبين من حصل على درجة أخصائى أو استشارى حتى كان يقال لى بعد إتمام الإجراءات بالتأمين الصحى : "ابسط ياعم ورقك خلاص وهتعمل العملية"!!
أنـا: هنبسط حاضر..

الجراحــة
حدد لى الطبيب موعدا الثامنة والنصف صباحا لعمل الجراحة.. ذهبت مبكرا, انتظرت فى مكان خارجى لاستقبال حالات المنتفعين بالتأمين الصحى, مكان مكشوف ولكنه خانق معتنى به بدرجة طفيفة والذباب ضيف دائم فيه..هو أقرب للشارع الخارجى منه للمستشفى. سندوتشات الفول والطعمية مع الحاضرين لا تخطئها أنف, يزدحم المكان تدريجيا, وكل مريض حاضر معه من ثلاثة لستة أشخاص!
أتى الطبيب فى العاشرة, وبدأ فى الاجراءات الإدارية معى لتحويلى للعمليات فقال لى : بكرة نعملك العملية .. فقلت: حضرتك قلت لى إنها انهاردة وأنا عملت حسابى على كده "فى خاطرى: مش ناقص قلق".. بعد بعض التململ حولنى للعمليات فى حالة "لو لقينا أوضة عمليات فاضية" مع ختم العبارة بـ "ربنا يسهل"!
هذه العبارة ظاهرها الدعاء وباطنها العذاب..رحماك ربى.

أجريت بعض الاتصالات بمعارف تجمعنا بالطبيب, قرر الطبيب إجراء الجراحة لى ولكنه لم يخبرنى إمعانا فى زيادة معدل القلق ..دخلت المستشفى لاستكمال الإجراءات والتوقيع على إقرار بمسئوليتى التامة عن نتيجة العملية والبصم بالإبهام على الإقرار .. ودفعت رسوم قدرها جنيها واحدا واستلمت إيصال مكتوب عليه "إيصال مؤقت" لم أدرى معنى للعبارة حتى الآن.. مجموع الإجراءات والصعود والهبوط والتحركات وتخليص الأختام أمر سخيف وحارق للأعصاب لمرضى سيكونون فى عمليات جراحية بعد قليل..

وفى قسم العمليات وجهونى لطابق أعلى لكى أرتدى جلبابا و إسورة تحمل اسمى ورقم خاص.. توجهت لهناك وأنا متأنف من ارتداء أى جلباب ارتداه غيرى حتى لو غسل بحامض الكبريتيك ..أعطونى "الإسورة" وربطوها حول معصمى فشعرت برهبة ما نتيجة هذا القيد الرقيق .. أخبرتهم بأن معى ملابسى الخاصة, ولا أريد جلباب المستشفى, فقالوا لى أنت جراحة يوم واحد ولن تبيت بالمستشفى, فليس لك جلباب, علمت أنهم يخشون على الجلباب أن آخذه وأرحل بعد الجراحة, وهو "عهدة"!!

لم أكن أعلم أن ملامحى تدل على أننى "حرامى غسيل" قبل هذا الموقف, شكرا لكم..
حمدت الله على خوفهم على عهدتهم فلقد جنبونى مشكلة ارتداء ملابس المستشفى..فسوف أتخيل أن كل من ارتداها قبلى هم من مرضى الأمراض المعدية التى لا تتطهر الملابس منها إلا بالحرق..هذا توتر لو تعلمون عظيم!

رجعت للعمليات فأجلسونى خارجها لمدة ساعة تقريبا..ثم قاموا بالنداء على فارتجف قلبى..اختبار قادم..
دخلت فجلست فى طرقة هى أنظف مكان بالمستشفى حتى الآن, يمنع الدخول فيها بالحذاء, وبمجرد الدخول تنتعل "شباشب" خاصة بيضاء ..وتبدو فيها آثار التطهير..طاقم التمريض بداخلها أكثر أناقة وجدية من أى قسم آخر بالمستشفى..هناك نظافة عامة تطمئن قلبى..

ها أنا أقترب من قدس الأقداس.. يبدو أنه كلما اقتربنا من غرفة العمليات يزداد الاهتمام والتعقيم..وهذا هو مايهمنى الآن!
جيد للغاية فلقد نسوا أن يسألونى لماذا لم أرتدى جلباب المستشفى؟! فلو تذكروا لأرجعونى ثانية لقسم "الجلابيب" لارتداء جلباب المستشفى, ولرفض قسم الجلابيب إعطائى "جلابية" خوفا من الهروب بها لعدم إقامتى بالمستشفى بعد الجراحة, ولهوينا لمشكلة عويصة قبل إجراء الجراحة .." هل أرتدى جلبابا أم لا أرتديه".. وهى مشكلة كفيلة بخلق صدام إدارى بين إدارة العمليات وقسم الجلابيب, يعلم الله وحده ما ستسفر عنه نتائجه!
نظراتى تائهة تجوب المكان, علمت كل شىء فيه تقريباً, لاحظت اهتمام كل أفراده بالجوانتيات وارتداء الكمامات وغطاءات الرأس الطبية .. نظرات منى للممرضات قد تفهم خطأ منهن!

هل يمكننى أن أتدبرهن فى تلك اللحظات.. قد أموت بالداخل بعد دقائق.. تذكرت حينها آلاف الصفحات التى قرأتها عن تحريم النظرة .. فأى حرام هذا الذى تفعله بك النظرة قبل الموت المحتمل, لا أعتقد أننى سأفعل الحرمات الآن, وليس هناك معنى للنظرة, ولا معنى للحرام الآن, ليس الوقت كالوقت.. قبل الموت كقبل الميلاد,,لا شىء سوى الوجود.. فقط الوجود .. ماهذا الذى يجول برأسى, تذكرت حياتنا الدينية جميعها فى لحظات, وأشفقت على ذاتى.. فقط ذاتى!

دخل الطبيب حجرة سمعت من خلالها صوته يمزح مع بعض زملائه وأنا خارجها ومضى وقت آخر, مر أربع ساعات منذ قدومى للمستشفى.. ثم نادونى للدخول للعمليات وأمرونى بعدم انتعال أى شىء ووجهونى لغرفة العمليات وأعطونى رداء أخضر فمددت للممرضة يدى لكى أرتديه فأشاحت بوجهها أن أدخل يديك فيه بالمواجهة "أمر ما يشبه زى مرضى الأمراض النفسية فى أفلام السينما", تبا لعناد الأحداث, أفلت من الجلباب فأتونى "بمريلة المجانين" تلك, لم تربطها الممرضة حول ظهرى فجعلت ذراعى داخل الكُـمّين فقط, وأبعدتها عن جسدى بقدر الإمكان.. أقنعت نفسى أن الزى نظيف ومطهر وأن من ارتداه قبلى كانوا من الحريصين على نظافتهم بكل تأكيد ..
من طرقة إلى طرقة يزداد الهدوء والنظام والنظافة..ولكن تزداد الرهبة بداخلى وتزداد الفراغات والمساحات.
وصلت للمعبد..واسعة هى حجرة العمليات, يتوسطها سرير مسطح يتساوى فيه الأمام بالخلف, وللغرفة رهبة غير عادية.. الممرضة بالداخل تسألنى: هتعمل ايه؟
أنـا: ليبوما
الممرضة تلتفت باهتمام: انت قلت ليبوما؟
أنـا: أيوة.
الممرضة: انت دكتور؟
أنـا: لا.
الممرضة: أمال عرفت الاسم ازاى؟
أنـا: من التقارير.
تبدى اندهاشا وتبتسم ثم تسألنى: هتاخد بنج كلى؟
أنـا "برجاء": ياريت يبقى موضعى.
الممرضة: حاضر, هجيبلك دكتور تخدير بيموت فى البنج الموضعى.
" بداية طيبة .. دائما أشعر أننى لو غبت عن الوعى مرة لن يعود إلى ثانية..كما أننى أخشى من هلوسات البنج فأبوح بكتمان السنين, وأشعر أن كل من سيعرف أسرارى سيبتزنى بعدها بما علمه..أوغاد!".

خرجت و عادت بطبيب تخدير شاب ملتحى ذو ابتسامة مميزة و روح تفرض عليك محبتها.. تعرف على وسألنى عن نوع الجراحة.. ورددت عليه رغبتى فى البنج الموضعى وليس الكلى..فقال لى بعد معاينة الورم : حاضر ياسيدى هعملهالك موضعى بس عاوزك تشرفنا كده وتجمد!!
قفز الرعب إلى قلبى: أشرفكم إزاى؟ هو هيبقى فى وجع؟.. ابتسم وغادر الغرفة وقال: لا .. إن شاء الله مفيش حاجة.
جالت بخاطرى القصص والتخيلات لمعنى عبارة "عاوزك تشرفنا"..جلست على السرير بتوجيه من الممرضة فى انتظار الطبيب والطاقم..
أمر طبيب التخدير الممرضة بتحضير "كربون" و"إبر أنسولين" قبل مغادرته الغرفة.
فسألت الممرضة ما علاقة "إبر الأنسولين" بالبنج الموضعى.. فقالت: هى الإبر فقط وليس بها أنسولين, نستعملها لأنها رفيعة ونضع فيها مادة البنج.

حسنا وكأن الطبيب يعلم موقفى الرافض للحقن فأتى لى بأخف أنواعها وأقصرها.
أتى طبيب صغير السن يبدو أنه خريج حديث, وتحدث معى وقال لى : هو الورم فى مكان إيه ..اللى هو!

ما كل هذا الإعجاب بخطورة الورم!

أنـا: يعنى فى خطورة؟
الطبيب الشاب: يعنى شوية.. بس عاوزة حرص علشان المكان حساس..مش عاوزة واحد يقطع فيها وأشار بإشارات السكاكين الخاصة بالجزارين وابتسم.
أنـا: انت بتتكلم جد؟!
الطبيب الشاب: يا عم بهزر معاك..سيبها على الله.

ورغم أنى بالفعل "بسيبها على الله", إلا أننى لا "أسيبها لله" إلا بعد أن أفعل كل ما على فعله بقدر الإمكان, ولا أتخيل "الله سبحانه" نائب فاعل أبدا!!

أيضا هذه العبارة تسبب لى القلق دائما حينما تصدر من أفواه المصريين, فكل حوادث القطارات والسفن والميكروباسات والعمارات المتهدمة أبطالها كانوا "سايبنها على الله"!

جال بخاطرى أن أقوم وأهرب من الغرفة وليبحثوا عن أحد غيرى يشرفهم, وعلى أن أحتفظ بالورم كصديق دائم بداخلى. مددت قدمى للقفز من فوق السرير العالى, ولكننى تراجعت, فقد قطعت شوطا طويلا حتى وصلت لهنا, هل ستضحى بكل هذا؟! وجع ساعة ولا كل ساعة..هى موتة ولا أكتر.. حتى جاء الطبيب فقطع على طريق الهرب.

بلهجة آمرة خفيضة ليس فيها أى ظود قال: "يالله نام"
أنـا: أنام على ضهرى ولا على جنبى؟
الطبيب "آمرا": نام على ضهرك.
وجه الطبيب من النوع الذى تعجز عن تحديد طبيعة ملامحه هل هو جاد أم يمزح أم يخجل من التباسط!

لا أدرى لماذا يعاملنى هكذا..هل لأنه مستشفى حكومى؟ هل هى طبيعته؟ لقد ذهبت لعيادته كما هو العرف كى يستفيد منى ماديا, ودفعت له كشفا خاصا ليس من حقه, ولكن ذهبت لكى أستوضح منه مالم أستطع الاستفسار عنه بالتأمين الصحى.. رغم أن الجراحة تابعة للتأمين الصحى, ولكن هذا هو أحد مسالك التأمين الصحى فى مصر وأحد أعرافنا الطبية, فيجب أن تكشف عند طبيب التأمين الصحى بعيادته الخاصة لكى يمنحك اهتمامه.
وفى العيادة حاولت معه أن يكون البنج موضعى, كما وعدنى أن تكون الخيوط الجراحية تجميلية لكى لا تترك أثرا يجعلنى كأرباب السوابق.

نطقت الشهادتين وسميت الله..
وبدأ التخدير بحقن كثيرة حول مكان الورم لتخدير مساحة واسعة بعض الشىء.. بعدها سمعت صوت جلدى يتمزق يشبه صوت تمزيق قطعة من القماش تماما.. لا مفر الآن, بدأ الجد ولا يمكنك التراجع..لا أستطيع أن أقول له اغلق مافتحت فلا أريد إكمال الأمر لنهايته..لم تزول فكرة الهروب من رأسى.. اصمد. وبدأ الأطباء يفحصون الورم ويشخصونه على الطبيعة..
أسمعهم وأنا مغمض العينين.
الطبيب: دى مش Lipoma ..
الطبيب الشاب المساعد: مش Lipoma يا دكتور!
الطبيب: دى ....... limpha "باقى الاسم مش واضح".
أنـا "بصوت محرج خفيض" وعيناى مغمضتان وناظرا فى الاتجاه العكسى: مش ليبوما يا دكتور؟

لم يجب أحد سؤالى .. أشعر بحرج ..سرحت بى الأفكار الكلمة دى غالبا "حاجة ليمفاوية" ..تبقى غدة... طيب مش معقولة هيستأصل الغدة.. ربما ورم فى الغدة.. يبقى الموضوع كله اختلف, وهتدخل فى موضوع سرطان.. ياعم جايز تشخيص مختلف لنوع من أنواع أى حاجة ليمفاوية قريبة التكوين من الكيس الدهنى.. حد يعبرنى طيب!!

بدأ التقطيع والتعاون بين فريق الجراحة ..أفتح عينى قليلا أجد مشهد رؤوس متزاحمة تبحلق فى وجهى وأكثر من كشاف مضىء مسلط على.. كيف سيكون شكل الزبانية؟!
من الأفضل إغماض العينين للنهاية .. مشهدهم لا يسر.

أغمضت عيناى ثانية جلبا للأمان.. ما أسمعه وأتخيله يجعلنى أقذف بالعرق زخات.. جسدى مفتوح وأنا مستيقظ وأستمع لحوارات إنجليزية.. deep, extension ومصطلحات أخرى لا أتبين معناها.. كيف ستكون الآلام بعد انتهاء مفعول البنج؟ بالتأكيد لن تقل عن آلام إبراهيم الأبيض!
أردد وراءهم : هو عميق؟ فى امتداد؟

طبيب التخدير: يا جماعة ده بيفكر فى كل جملة بنقولها, وعمال يدور الكلام فى دماغه.
الممرضة: الـ patient فاهم الكلام؟!
أنـا: آه ال patient فاهم ياستى.
طبيب التخدير: انت بتشتغل ايه؟
أنـا: " كذا"
طبيب التخدير: لا.. تبقى فاهم, حوروا اللغة بقى علشان مايفهمش.. "مع خبطتين لطيفتين على صدرى".
وبالفعل بدأوا فى تحوير الإنجليزية لكى يستعصى على الفهم..
أنـا "بعناد من سيفقد كارت رابح": ما تقلقش هفهم برضه.

بدأت المصطلحات تتردد بشكل محور, فزادت صعوبة الترجمة المتواضعة التى كنت أقوم بها!
بعدها بدأ الطبيب يجذب كتلة الورم بشكل قوى بغير أسلوب التقطيع الجراحى.. فكان يرجنى رجا كالنجار حينما يخلع مسمارا! خشيت أن أشعر بألم وكان يعترينى خوف من أن ينتهى مفعول البنج أثناء الجراحة, فانتهزت الفرصة لأطلق بعض التأوهات, كان الألم محتملا.. فقط كان يشبه من يجذبك من أذنك أو إصبعك بقوة, ولكننى تأوهت لكى لا يتناسون ألمى أو لكى "يعملوا حسابهم".. فأتانى طبيب التخدير بحقنة إضافية بتعليق لطيف منه.

فهمت حينها عبارة طبيب التخدير الغامضة "عاوزك تشرفنا كده وتجمد".. ليس للجميع القدرة على متابعة العبث بأجسادهم وتقطيعها وهم يستمتعون بهدوء!

الطبيب الشاب المساعد: دى الـ muscle يا دكتور .. دى muscle.

وضعت إحدى الممرضات مسطح ناعم أسفل ساقى بعد أن رفعت بنطالى حتى الركبة, بعد قليل سرحت فارتفعت ساقى لأعلى, فصرخت فى مؤنبة: نزل رجلك علشان ماتتكهربش.." ما هذا الأسلوب؟!.. تحدثنى وكأننى أعلم طبيعة الأجهزة.. لو كنت فى مكان آخر لجعلتك تندمين على صدفة مقابلتى.. أحرجتنى عن حق".. فى بدء الجراحة شعرت بكهرباء تمس جسدى وأخبرتهم بذلك فلم يشرحوا لى السبب!

رنة محمول تظهر فى العمليات بصوت طفل صغير.. ويرد أحدهم على الموبايل ويتحدث "عادى جدا" ..فيبدأ النقاش حول الرنات, وحول المتصل " الله هو ماجاش..طيب قول له ييجى أنا مستنيه.. لا يا سيدى فى العمليات .. يالله سلام..مستنيك أه".. تستمر المصطلحات الطبية الإنجليزية فى ملأ أجواء الغرفة, فتذكرت "سوريا" التى عربت الطب منذ سنين!

نقاش آخر بين فريق العمل عن شقاوة الطبيب و قلبه الكبير وميله للجميلات, والطبيب نفسه يشاركهم بشكل ضاحك.. الأمور ليست بالصرامة التى نراها فى التلفزيون!!
أنـا "مغمض العينين": والله انتم دكاترة عسل..
الطبيب "بدهشة نصف مازحة": احنا دكاترة عسل! احنا بنحاول نعملك جو أسرى علشان بس تحس بألفة وتضيع رهبة العملية.
أسرح قليلا.. طيب مانت حلو أهوه, أمال ليه محسسنى إنك كارهنى, أو انك مش طايقنى.. ولا يمكن اتكسف علشان اتجرأت وقلتلهم "انتم دكاترة عسل".. يمكن فك شوية وقلبه رضى عنى, أو يمكن استريح لما استأصل الورم ..مش عارف.

الممرضة: حتة دهن خرجت منك أهيه.. تاخدها لمراتك تعملك عليها بامية؟!
أنـا: يا ساتر يارب.. أنا مش متجوز.
طبيب التخدير: و هى كمان مش متجوزة.
أنـا: ده تدبيسة بقى.
الممرضة: لا ده أنا سمرا بس زى القمر" بخليط من الخجل والمزاح".
" لم أكن أرى أحدا ولكن أعتقد أنهن ممرضتان أو ثلاث"
أنـا: أنا بكلمك وأنا مغمض يعنى مش شايفك أصلاً.
ضحك عام فى غرفة العمليات, الجو العام ذو ألفة الآن, يبدو أن مراحل الاستكشاف التى تلازمها العصبية قد مرت بسلام.. الجميع الآن يمزحون لأقل كلمة!

أشتم رائحة شياط من جلدى, يبدو أنهم يكوون مكانا للنزيف, تهيم ذاكرتى لعملية كى لشعيرات دموية أجريتها فى طفولتى أثناء نزيف أنفى.. الكى بمادة نترات الــ .. الــ .. الفضة ربما..
مازلت لا أرى شيئا وعيناى مغمضتان, أشعر بقرب الانتهاء من الجراحة فقد رحل ضيفى الذى استضفته بضع سنين, ولم يتبقى سوى الرتوش النهائية. يتبقى عبء تحليل الورم, وانتظار لحظة الحكم على طبيعته..رحلة أخرى مع أضابير الصحة المصرية.. كنت دائما أتوق لرؤية هذا الشىء المستأصل, ولكننى لم أجرأ على فتح عينى وتحويل رأسى إليه لرؤيته. فى طفولتى حزنت للغاية حينما أفقت من عملية استئصال اللوزتين, ولم أجد اللوزتين بجوارى كما طلبت أن أراهما, فأخبرنى والدى أنهم تخلصوا منهما فى القمامة لأنها ملوثة.. يومها تساءلت وهل هذا التلوث لم يستطع صبرا حتى أفيق فأراها ثم يتخلصون منها!

حججهم دائما ساذجة هؤلاء الكبار حينما ينهون مواقفهم مع صغارهم, يزرعون بنا قبول الموائع.. وهو ما يسهل مأمورية الحكومة فيما, فتتسلمنا الحكومة منهم لبنة طرية معدة للاستخفاف بعقولها باقى حياتها .. نبتلع مايرددون بسهولة دون رفض أو استنكار!

سمعت من قبل أن دكتور مجدى يعقوب يتمايل على أنغام موسيقية فى غرفة العمليات ودكتور حمدى السيد لايعمل إلا على صوت فيروز, وأن هذه الطقوس هى من أساليب الأطباء لتحقيق التوازن النفسى أثناء الجراحة!

بدأ الطبيب يغلق الجرح وينتهى منه... فبدأ العرق الغزير يسيل منى وأنا أشعر بقوة يده تمتد إلى أقصاها وهو يحيك الجرح.. تخيلته كأى حائكة ملابس تخيط ثوبا أو تثبت زرارا بقميص.. شعرت وقتها أن الجرح مساحته مترا, رغم أنه يفترض أنه صغير نوعا ما!

انتهى الطبيب من الجراحة فى مدة أقل من نصف الساعة, ولكنها كثيرة التفاصيل.. شىء عسير أن تشاهد جسدك مفتوحا وهناك من يعبث به.
شكرت فريق عمل الجراحة بصدق, ودعوت لهم جميعا بإخلاص.
وعاد الطبيب للهجته الآمرة: خلاص يالله قوم .. لم أستطع النهوض بسهولة فساعدنى وقال: خلاص اتفضل.. سألته هل أغلقت الجرح بتجميل؟ .. قال: لا, كنت هحتاج أعمل "كذا/ مصطلحات طبية ",عموما أنا عملتلك الصح..
أنـا "فى سرى" : كده الجرح هيسيب أثر..هتشوهنى الله يخرب بيتك.

خرجت من الجراحة على قدمى كما دخلتها..شاهدتنى أمى وأنا بالخارج فكأنها ردت روحها ولم تصدق أننى أمامها بهذه السرعة واقفا, كانت تقرأ قرآنا, ولم أكن أنا نفسى أصدق.
بمجرد جلوسى حدث هبوط فى ضغط الدم من تأثير رهبة معايشة الجراحة, فشعرت بدوار وعرق وهبوط, فساندنى عمال العمليات للدخول لغرفة الإفاقة.. رفضت الجلوكوز لأن به حقن.. استرحت قليلا وخرجت ماشيا إلى أمى المتلهفة على رؤيتى, والتى أصابها ماحدث بقلق بالغ... رفض الطبيب تحليل الورم قائلا: أنه لا يستحق وأنه لا خوف على!!
.......................................................
*الاعتذار لروح عمنا "نجيب محفوظ" على استعارتى ثلثى عنوانه "أحلام فترة النقاهة".
* تجربة حقيقية مررت بها.
* الصورة بعدسة Imran Choudhury من جروب In Focus من موقع Facebook.com

الأحد، 6 يونيو، 2010

فى وداع رجل نبيل!

أديب الدراما التليفزيونية المصرية تركنا وخلا مكانه شاغرا, وحتى الآن لم أستوعب وفاته, بعض البشر لا نتخيل أنهم قد يفارقون ذات يوم لثقل تأثيرهم فى حياتنا, ولإثرائهم حياتنا بما يعجز عنه غالب البشر أن يضيفوه.
ملأ هذا الرجل حياتى كـأب بلا أدنى مبالغة بما أضفاه على شخصيتى وعقلى من صقْـل ومعرفة وتفكير دائر, وتوجه فكرى عام يصعب على مفارقته أو أن يفارقنى هو. ورغم أننى لم أعتد بكاء الأقارب فور رحيلهم, لمشكلة لدى فى استيعاب فكرة الموت سريعا, إلا أن هذا الرجل بكيته بلوعة من يشتاق للحظة عودة واحدة و سماع لثغة "الراء" المميزة بنبرته.. لم ألتقى "أسامة أنور عكاشة" يوماً!

شخصيات "أسامة أنور عكاشة" لن تغادر مكانها يوما لدى من شاهدوها وقت تكوينها, وتحولها من الورق إلى الشاشة, فالباشا والعمدة والهانم وسماسم العدلى والمعلم زينهم السماحى و الشهيد طه السماحى وبـِسة والخُمس و السبعاوية و د.مفيد أبو الغار وفضة المعداوى و حمو وصقر الحلوانى والحسينى وزينب وأبو العلا البشرى و أبلة حكمت والأستاذة مارسيل وسيادة القبطان وبِـِشر عامر عبد الظاهر وعائلة الشراغيش وحسن أرابيسك وعمارة و الأستاذ وفائى و الدكتور برهان والدكتورة ممتاز محل ووفية ولبيبة هى شخصيات من لحم ودم حية ترزق بيننا, تمارس حياتها حتى بعد أن تقوم من أمام التلفاز لانتهاء الحلقة وتلقانا فى اليوم التالى منهكة مثلنا من عناء يوم جديد قد مر!

مثقف من طراز راقى وكاتب لا يكتب للاسترزاق ولكن للتأثير والتغيير والمقاومة والخلود..
لم يكتب فقط للتليفزيون ولكن حتى أعماله السينمائية تشهد له بالتميز فمن يشاهد فيلم "كتيبة الإعدام" يعلم أن العبقرية متأصلة فى دماء هذا الرجل. بالأمس أذاع له التليفزيون المصرى على قناته الأولى مسرحية "الناس اللى فى التالت" تموج بآلام هذه البلد.. أذاعها التليفزيون ليلة 4_5 يونيو 2010م, ولم ينسى التليفزيون المصرى أن يعرضها فى الساعة الثانية صباحا لكى لا يشاهدها أحد.. المسرحية سياسية اجتماعية كاشفة من العيار المؤلم!

تحدثت "منى الشاذلى" فى حلقة تأبين "أسامة أنور عكاشة" ببرنامج "العاشرة مساء" يوم الأحد 30 مايو2010م عن مسلسل إذاعى كتبه منذ عامين يتناول قصة لشخص أجنبى يعيش داخل حى شعبى مصرى منذ فترة طويلة متخفيا فى شخصية مستعارة, وذكرت أنه بعد فترة طويلة وجدت قصة مشابهة حقيقة تناولتها صفحات الحوادث بصحف القاهرة..فى الحقيقة لم يتسنى لى متابعة هذا المسلسل الإذاعى ولا هذه القضية المريبة محل الحديث, ولكنها كانت تستشهد بها وكأنها نبوءة أو توقع مستقبلى لأسامة أنور عكاشة انتقل من الورق للواقع دون رابط فعلى بينهما!

مقالات أسامة أنور عكاشة كانت أيضاً تنم عن معرفة متشعبة وثقافة رفيعة الطراز وعقلية موسوعية, ومعاركه للدفاع عن ما كتب كانت مرهقة لتكسيره لبعض التابوهات والأصنام الاجتماعية نقله لخانة المغضوب عليهم سياسياً ودينياً واجتماعيا, فالذين ينافقون التاريخ منتشرون فيما بيننا, والذين يقدسونه أكثر, والذين ينافقون العوام أكثر وأكثر!
هاجم "عمرو ابن العاص" بشدة وثبت على رأيه بشأنه رغم مكانة "عمرو بن العاص" فى مصر بالأخص, وكتب مقالا قويا بعنوان (من أنجبن البغايا؟) * واشتهر المقال بعنوان "أبناء الزنا كيف صاروا أمراء للمسلمين" سجل خلاله "قرفه" الشخصى من خط سير تاريخنا ومن الذين سيروه وصيروه بهذا الشكل الذى هو عليه حتى الآن!

كان هذا المقال فى إطار مراجعته الفكرية للكفران بفكرة القومية المنتحرة, حتى ذكرها فيما بعد بنقابة الصحفيين فى 23 أبريل 2007م بأن جميع العرب يكرهون مصر وإذا أردنا الحفاظ على مصر فعلينا إبعادها عنهم لأنهم خطر على مصر!
كتب أسامة فنون الكتابة جميعها ربما باستثناء الشعر, فالدراما التليفزيونية "ملعبه الأساسى" والسينما و المسرح و الدراما الإذاعية والرواية والقصة القصيرة والمقال ..

أنقل هنا جزء من مقال له نشره فى جريدة الأهرام المصرية فى عام 2002م, كان يتحدث عن السفسطة و التلاعب بالألفاظ, وكيف يمكن أن تؤدى العبارة الواحدة للمعنى ونقيضه فى آن واحد, نقلت القصة من المقال فى كراسة خاصة ثم ضاع منى المقال بعد حفظه رقميا بـ "الاسكانر" فى عملية عطب تافهة لـ "الهارد ديسك" الخاص بجهازى, والذى يحمل أرشيفا صحفيا خاصا لآلاف المقالات والموضوعات وصحفا قديمة بأكملها وضاع ما أعتبره ثروة خاصة ومجهود عامين كاملين لأرشفة هذه الثروة رقمياً هباءً.. ولله الحمد والمنة!
حكاية جورجيادس وتلميذه**
" كان جورجيادس.. وهو واحد من أشهر فلاسفة السفسطائيين- يرتزق من العمل بالمحاماة .. وكانت له فى هذه المهنة شهرة عريضة أغرت أحدهم - وهو شاب ماجن غضب عليه أبوه الثرى فحرمه من أمواله وقاطعه - بأن يفكر بدوره فى تعلم المهارة السفسطائية ليشتغل بالمحاماة ويرتزق منها.

فجاء إلى "جورجيادس" وطلب منه أن يعلمه وصارحه بأنه مفلس ولا يستطيع أن يدفع له أجر تعليمه .. ولكنه عرض عليه أن يتشاطرا فى عقد مكتوب بأن يدفع الفتى أجر معلمه من أتعاب أول قضية يكسبها بعد اكتمال تعليمه وامتهانه للحرفة!
وقد كان .. وجَـهُد الأستاذ فى تعليم الفتى حتى سقاه كل أسرار البراعة السفسطائية ومنطقها .. وأصبح جاهزا لممارسة المهنة. وبقى "جورجيادس" يفرك يديه فى انتظار أجره المجزى الذى لابد أن يدفعه تلميذه بمجرد أن تسند إليه قضيته الأولى, لكن الرجل كان ينتظر على غير طائل.

فقد حدث أن تصالح الفتى مع أبيه وعاد إلى جنته ليرتع ثانية فى حياة الرفاهية, وبالتالى لم يعد فى حاجة لأن يمارس مهنة المحاماة. واستشاط "جورجيادس" غضباً وهرع إلى تلميذه يطالبه بأجره ..فباغته الفتى وهو يضحك ساخرا بإجابة مفحمة: "عفوا يا أستاذى العزيز, فالعقد المبرم بيننا أن تتقاضى أجرك من أتعاب أول قضية أكسبها, وأنا كما ترى, لا توجد لدى قضايا حتى أكسبها أو أخسرها!"

وأسقط فى يد الفيلسوف الشيخ وهو يجر أذيال الخيبة, لولا أن أسعفه ذهنه المدرب على المنطق السفسطائى بفكرة باهرة, فانثنى إلى تلميذه الجاحد قائلا: "إذن يا تلميذى النابه فقد قررت أن أرفع عليك قضية أمام المحكمة الأثينية الموقرة, أطالبك فيها بأجرى, فإذا كسبتها أنا فسأتقاضى أجرى منك بحكم المحكمة, وإذا كسبتها أنت فسأتقاضى أجرى منك بحكم العقد المبرم بيننا..أى أننى سأحصل على أجرى فى كلتا الحالتين!"
فإذا بالفتى التلميذ يبادره وهو يضحك ساخرا: "كلا ياسيدى جورجيادس المحترم .. فلن تنال أجرك فى أى من الحالتين .. إذا حكمت لك المحكمة أكون قد خسرت القضية ولن تتقاضى أجرك بحكم العقد .. أما إذا حكمت لى المحكمة فلن أدفع لك بمقتضى حكم القضاء!"
وهكذا تغلق الدائرة المفرغة على لاشىء!
وأعطى المنطق السفسطائى صفته لكل حوار أو جدال لا يصل إلى غاية أو يكون هو الغاية فى حد ذاته! "
الله يرحمك يا عم أسامة.
..............................................................
* اقرأ مقال "من أنجبن البغايا" من هنا
** النص منقول حرفيا من المقال المشار إليه دون أى تصرف.

الخميس، 22 أبريل، 2010

اجلس مكانه يا خوند !

هذه العبارة البسيطة تمثل خلاصة نظام الحكم والحياة المملوكية المصرية.. فبعد انتصار السلطان سيف الدين قطز على المغول فى موقعة "عين جالوت" الشهيرة سنة 658هـ/1260م وكسر خطر التتار الذى كان يعد بمثابة جراد قد يسرح فى العالم بأسره وانتهى على بوابة مصر..

قٌـتل قطز فى أثناء رجوعه لمقر عاصمة حكمه من الشام بواسطة أمراء المماليك بقيادة الأمير بيبرس البندقدارى (الظاهر بيبرس فيما بعد) أثناء لهوه بالصيد, وذهب القتلة للمقر السلطانى المؤقت "استراحة السلطان" شاهرين أسلحتهم.. وحدثوا "فارس الدين الأتابك"- والأتابك هو لقب كبير العسكر والرجل الثانى عسكريا بعد السلطان{1} -وأخبروه بفعلتهم وقتلهم السلطان قطز.
فسألهم الرجل فى هدوء: من قتله منكم؟ .. فقال بيبرس: أنا.. فرد الأتابك: يا خَوَند, اجلس فى مرتبة السلطنة, فجلس.{2}
وخوند لقب للتعظيم تعادل الآن شعبيا تعبير " يا كبير".. هكذا قالها الرجل الثانى فى الدولة ببرود يصعب أن يكون مصطنعا, ولكنها طبيعة المماليك!
قُتِل السلطان المنتصر وفى روحه نشوة الانتصار, أثناء وجوده باستراحة المحارب وقبيل وصوله قلعة الجبل مقر الحكم بالقاهرة وفى وسط جنوده وقواته الظافرة العائدة للاحتفال والراحة!

فى رحلة صيد مماثلة وبعد انتصارات مماثلة ومؤثرة على الصليبيين بالشام, وبعد ثلاثة عقود وقليل, وفى سنة693هـ/1293م قتل السلطان الأشرف خليل بن المنصور قلاوون على أيدى مماليكه الذين فاجئوه فى أثناء صيده وعاجلوه بالحسام قبل الكلام بحسب تعبير المؤرخ ابن إياس. {3}

ولم يكن السلطان الأشرف خليل آخر المقتولين فى ذروة انتصاراتهم, فبعد 688 عاما قُتل الرئيس أنور السادات بين قواته وأثناء استعراضه لقواته وبإحساس المنتصر, وبيد بعض من جنوده أيضاً, فى حادث لا تنتهى دهشته كلما أعدنا مشاهدته رغم مرور قرابة الثلاثين عام على حدوثه!

هل من رابط يربط تلك الحوادث ببعضها رغم وجود فواصل زمنية طويلة بينها, ورغم اختلاف العصور وطبيعة الحياة والحكم؟!

يتلقف الخيط ببراعة أستاذ جامعى مصرى لم يرد أن يعرف نفسه للقارىء أوالجماهير أو الحكومة, وكتب كتابا غاية فى الإبداع عنوانه "تراث العبيد فى حكم مصر المعاصرة" وأشار لاسمه على الغلاف بالحروف الأولى (دكتور ع.ع)!

الكتاب صدر سنة 1995م و يبدو أنه قد أثار جدلا فى حينها ثم ضاع أثره فى زحام حياتنا السياسية المرهقة, وقد تكون تلقفت الرجل أيدى شريرة أودت به فى غياهب النسيان وذلك لخطورة ما كتبه, ودخوله فى ميدان يدور بين الواقع المعاصر وحكايات العصور الوسطى, وثقته الشديدة بنظريته التى يذكر أنها جديدة فى مجال علم الاجتماع التاريخى, وهو ما ذكره عن تخصصه!

حتى عاد ذِكر الرجل ثانية مؤخرا فى برنامج "عصير الكتب" لمقدمه "بلال فضل" فى حلقة 14مارس2010م على قناة دريم2, وتحدث "بلال" بشكل موجز عن الكتاب وفى نهاية فقرته طلب من الدكتور (ع.ع) أن يظهر ويعلن عن نفسه مترجيا إياه!

يبدأ المؤلف كتابه بعبارة "إلى الذين يحبون مصر وردة ناضرة ذات أريج". ويعرض الكاتب جذور العبيد فى مصر محاولا تتبع نشأتهم وأصولهم و مجيئهم إلى مصر والأخطر مدى تأثيرهم فى شخصية المصريين بسلوكياتهم, واستمرار ذلك حتى الآن رغم اختفائهم ظاهريا, إلا أنه يؤكد عبر بحثه أنهم لم يختفوا من الوجود ولم تنهى مذبحة القلعة وجودهم, وأنهم مازالوا بيننا بسلوكهم وشخوصهم أيضا!

لا يريد الكاتب المجهول أن يعبث بأدمغتنا بحواديت مخيفة ولكنه بحق يجيب عن أسئلة تحير كل من يتفكر فى شأن هذا الوطن, ويعرض فى صفحتى المقدمة عناصر من تلك الأسئلة التى لا نملك ترف نكرانها, بحيث تكون إجاباتها داخل أبواب وفصول الكتاب.

من هذه الأسئلة: لماذا يتصارع المصريون فى الخارج بشكل يتميز عن أى جالية أخرى؟ /ماهى الجذور التاريخية لبعض الشتائم السائدة؟/ لماذا يخشى المصرى دخول قسم الشرطة ولو كان بريئا؟/ هل كان حسن التهامى شخصية ضرورية للسياسة المصرية فى عهدى عبد الناصر والسادات؟/ ماعلاقة الجامعات بالتراث المملوكى؟/ العقاب الجنسى مادوره؟ وكيف تطور؟

يغوص الكتاب برشاقة وانسيابية فى مساحات لفرط اعتيادنا إياها لم نعد نتوقف عندها, ولكنه يقدم لنا فى يُسر تفسيرتاريخى واجتماعى جدير بالاحترام والبحث, وفتح بابا عقلانيا لبدء تطهير الذات الاجتماعية المصرية من أسوأ رواسبها الإنسانية والنفسية والخلقية!

يقدر الكاتب مساحة حكم العبيد لمصر بـ 1200عام وهو مايوازى 23% من تاريخها المكتوب, ويبدأ تأريخ وجودهم بمصر ببداية تقريبية تبدأ من "أحمد بن طولون" .. ويذكر أنه رغم كون العبيد قضى عليهم سياسيا تدريجيا وحتى نازلة محمد على بهم فى مذبحة القلعة 1811م, إلا أن المماليك العبيد لم ينقرضوا بيولوجيا ولا سلوكيا ومازالوا موجودين حتى اليوم!

الحكام الفعليين لمصر مازالوا هم "الرقيق الأبيض" فى المحافظات والدواوين ومسئولى الشرطة والعمد ورؤساء الأحياء, وأغلب المناصب العامة..لذا فأى قرار سيادى لا يوافق هواهم قد لا ينفذ غالبا , فقد تسن الدولة ماتشاء من قوانين ولكنه يمتلك القدرة على تنفيذها بما يناسب مصالحه أو تعطيلها وجعلها كأن لم تكن أو التلكوء فى تنفيذها بما يميت نفعها, أو بإفراغها التام من مضمونها بحيث يتحول القانون إلى سكين يذبح به من يشاء, بحرفنة شديدة ودون احتكاك صريح مع السلطة قد يؤدى به لمشاكل وذلك لخبرته الطويلة المتوارثة فى شئون الإدارة والحكم!

وكون العبيد فقدوا السلطة السياسية فهذا لا يعنى فقدانهم المناصب الإدارية التى هى عصب أى نظام حكم!أليست هذه الأمور مما نلاحظها جميعا ولا نعلم أسباب لعدم تنفيذ مئات القوانين النافعة وتعطيلها بالكلية؟!

يذكر الكاتب فى نقطة أراها تحتاج لبحث أن العبودية ومؤهلاتها وصفاتها تورث ضمن ما تورث من موروثات ثقافية تتناقلها الأجيال فى أسر بعينها تتركز بها هذه الصفات, وإن كان بشكل أقل ظهورا من تناقل الصفات الوراثية البيولوجية كالشكل وملامح الوجه و الصفات الجسمانية!

عند قراءتك للكتاب ستلاحظ سريعا أن الكاتب بحث فى مجالات علمية مختلفة وقرأ مراجع كثيرة للوقوف على نظريته تلك, ويبدو أن الإعداد للكتاب لم يكن سهلا رغم أن الكتاب ليس ضخما " 190 صفحة" إلا أن الكاتب دعم كتابه بمراجع عربية وأجنبية مختلفة التوجهات!

الرق فى بلادنا يختلف عنه فى أى منطقة أخرى.. فلم يحدث تاريخيا أن يشترى شعبا عبيداً صغاراً, ويربيهم ثم يكبرون ليحكمونه بالكرباج والجلافة, لذا فالكاتب لم يستطع مقارنة مثل هذا النوع من الرق المملوكى بمثيله الأمريكى مثلا, وبالتالى حُرم الباحث من الاستعانة بالمراجع الأمريكية فى هذا الشأن!
فبالرغم من قسوة العبودية الأمريكية و وجودها كنقطة سوداء فى تاريخ الولايات المتحدة من حيث امتهان كرامة الإنسان الأسود بسلاح المغترالأبيض, إلا أن تاريخ الولايات المتحدة سار فى مسار العلاقة الطبيعية بين السيد والعبد - رغم قبح الفكرة - إلا أنه لم يحدث ذلك التداخل الفظيع بين العبيد وأولاد البلد كما حدث فى مصر. كما أن السيد الأبيض والعبد الزنجى الأمريكى كلاهما مهاجر, وليس منهما أصيل ووافد, بل أن العبد المملوك فى حالتنا تلك ربما يكون أجمل خلقة من المصريين بحكم أصوله القوقازية, فيتفوق العبد على ابن البلد من هذه الناحية!

من طريقة جلب العبيد صغارا وتشكيلهم عصبة للمملوك الكبير لحمايته وتشكيل علاقة منفعة متبادلة تصبح وسيلة للترقى والحكم والصراع الذى لا يتوقف, يبدأ الكاتب رحلته الشيقة معهم, من حيث ولائهم للملوكهم وكذلك من أسلوب سيطرته عليهم باستخدام عناصر التفرقة والتمييز و صنع الوقيعة بينهم لضمان السيطرة على الموقف, فتنشأ مواقف وعبارات "الزنبة والدبوس والمهموز" ثم "التدبيس والتلبيس" و جميعها من متطلبات الوقيعة السيطرة والترقى, وجميعها مملوكية أيضا!
نظرة إلى ميمنة فى أى جهاز إدارى مصرى, هل من فارق؟!!

يحاول الباحث إيجاد بعض الأرقام التى تشير لاستيراد العبيد من مصادر التاريخ العربى والبحث فى عناصر قوتهم وتوغلهم البيولوجى قبل الثقافى فى المجتمع المصرى, وإن كان قذ ذكر هذه النقطة سريعا وبشكل خاطف, لكن يبدو أن قلة المراجع والمصادر فى توثيق معلومات العبيد لم تعنه.

ثم يذهب الباحث سريعا إلى كلمة "بتاع/ بتوع" وهى تعنى التبعية والولاء لشخص المملوك الأستاذ وما يتبعها من سلوك مازال متفشيا حتى اليوم فى جميع أروقتنا العامة, وهؤلاء التابعين هم الضمان الوحيد لتنفيذ أى توجيهات لرئيس الإدارة وبدونهم يفقد قدرته التنفيذية ويصبح "مهلهل", لذا فحينما يتغير رأس الإدارة بأى مؤسسة حكومية أو خاصة, فسرعان ما نسمع بتغيير الطاقم القديم واستبداله بجديد لتنفيذ السياسات الجديدة لـ "السيد المسئول"! الكلمة لم تنقرض بعد من ألفاظنا الحية حتى اليوم و أخذت أبعادا ودلالات متعددة بعضها معتاد وبعضها قبيح!

ورغم صعوبة تنفيذ مثل هذا التغيير لقوة وشراسة القوانين المصرية والتى يكون فيها التصعيد بالأقدمية, إلا أن فى هذه المساحة برأس أى مؤسسة تجد هذا التغيير يتم فى يسر وسلاسة وبدون استعمال أية قوانين, بل وبدون اعتراض أى من المضارين أيضا, فى اتفاق غريب مثير للدهشة!

هنا تظهر الأمثال الشعبية للتوافق مع الموقف فنحن "نخاف ولا نختشيش" نخاف المدير فننفذ أوامره, فقط لاغير! حتى الآن الوزراء والمسئولين يطمحون فى رضاء الرئيس ولا يهمهم تقييم الشعب لما يؤدون بالمرة, فولائهم لأستاذهم المملوك/ الرئيس/ الملك/ القائد , الذى جلبهم من الظل "نكرات" كصغار العبيد, حتى تحكموا من مواقعهم ونالوا امتيازات لا تتعلق بالمرة بخدمات يؤدونها بل هى "حق وواجب"!

تعبيرات النفاق تظهر بوفرة فى المناخ المملوكى (عيونى/ كلى لك/ أجدع ناس/ يا حبيبنا/ نوارتنا) للتملق والخوف وليس لإبداء الود, ويشرح المؤلف عوامل وجودها وفاعليتها فى مجتمعنا حتى اليوم باستخدام الأمثلة التى لا تخطؤها عين!عبارة "الاحترام واجب" يقف عندها المؤلف كثيرا لأهميتها ودلالتها غير المألوفة لنا, فهى موازية للإتاوة و لفرض الجبروت واستغلال القوى للضعيف!

مازالت عناصر الشرطة خاصة المخبرين والأمناء والصولات يذهبون للحلاقة مجانا ولمسح الأحذية بالمجان وكذلك ركوب المواصلات المجانى "بالعافية", ويستشهد الكاتب بحوارات واقعية معاصرة يقرب فيها المسألة بين التعبير والواقع, حيث احترامهم واجب, و تحصيل الأجر منهم يعد قلة احترام لمناصبهم, ويؤصل الكاتب جذور هذه الفكرة من تراث العبيد المماليك وسلوكياتهم التاريخية بطريقة مميزة!
بين الشرطة والشعب عداء غير منكور من كليهما, ورغم أن العبيد الصرحاء قد انتهى عصرهم إلا أن تراثهم هو الحاكم الفعلى للعلاقة, فالشرطىّ لا زال يعتقد بأحقيته فى ضرب المواطن, و "القفا" ذكره بعض الرحالة منذ قرنين ومازال يمثل إهانة فى الشارع, بينما فى قسم الشرطة هو إجراء روتينى تماماً كإظهار بطاقة تحقيق الشخصية.
مشاهدة أقارب المحتجز متجمهرون أمام قسم شرطة أمر مألوف لاستنقاذ تابعهم من براثن "العسس" باستخدام الجلبة وتشكيل وسيلة ضغط قد تؤتى ثمارها لو وجدت الشرطة بديلا أضعف يحمل القضية .. الصراع لايحكمه قانون, فالعسس هم سلطة تنفيذية لها قانونها الخاص الذى لا يعلوه قانون, والأهالى بدورهم لهم قانونهم الخاص .. والمشهد ليس سوى مساحة تداخل بين القانونين!
ولا يختلف المشهد بالمرة عن انتظار أهالى التلاميذ لأبنائهم على أبواب مدارسهم فى فترة امتحاناتهم!
هل من رابط بين المشهدين؟!
ويبرز المؤلف دور بعض الكلمات ومدى اختلاف مفهومها بين المثقف وبين الرجل العادى مما يبرز مفهوم دلالى لها مغاير تماما لما قد يقصده منها الشخص المثقف, ككلمات (نزاهة و نزيه و جدع وشهم و الركوب) وكذلك يضع المؤلف تأصيلا للمفاهيم والعقاب الجنسى لدى المماليك ولماذا يعتبر الرجل الشرقى الاعتدء الجنسى عليه أو على أهل بيته فضيحة رغم أنه لا ذنب له فيه, فى حين ينظر الأوروبى للأمر كما لو أنه سرقت محفظته, فهو فعل تم بغير رغبته, فلا شىء يدعوا للخجل لديه, أما فى مجتمعنا فهى بمثابة كسر عين وإذلال!
مازلنا حتى اليوم نرى من يكسر عين فلانة بمجرد زواجه منها بعد أن كانت "بتتبغدد عليه",أو بإقامة علاقة جنسية معها مكتملة كانت أو غير مكتملة, وكذلك من يقتل أخته لأنها تعرضت لحادث اغتصاب..جميعها شواهد باقية! ثم ينتقل الكاتب لبعض السلوك الجنسى الشاذ لحكام مصر من أسرة محمد على والتى تنطوى على ممارسات العبيد وانتقالها إليهم وإلى الطبقات الدنيا المصرية فى ذات الوقت..

أخْذ البرىء بذنب متهم وهو ما يُطلق عليه نظام "الرهينة" يتحول له الكاتب فى رشاقة, ويقدر أنه تراث (مملوكى/بدوى) والتهديد بهتك شرف الرهينة (أمه أو أخته) وهو مازال متبعا إلى اليوم فى أقسام الشرطة لإجبار متهم فى تسليم نفسه, ذاكرا قصة كان بطلها "محمد على" فى بروسطة باليونان قبل أن يحكم مصر وقد أخذ بعض الرهائن من أعيان هذه القرية حتى تدفع القرية مبلغا كان مطلوبا من قبل حاكم قولة!

والفكرة السابقة مؤدية لقاعدة لم أستطع فهمها حتى اليوم وهى قاعدة "السيئة تعم والحسنة تخص" وهى التى تتعارض مع أبسط القواعد الدينية "باعتبارنا مجتمع متشرب بالأديان السماوية", ولكننا قبلناها ونمارسها بكل شراسة, فمنذ كنا تلاميذ صغارو عقاب التلاميذ فى المدارس كثيرا مايكون طبقا لهذه القاعدة والتى علمنا إياها المدرسين أنفسهم ورددوها كثيرا.

فحين نعاقب مجموع بذنب تلميذ أخطأ دون أن يستطيع "المعلم" تحديد المخطىء فى غمرة زحام الطلاب, فيعاقب المجموع بذنب فرد, تحت بند "السيئة تعم والحسنة تخص" والبديل هو أن يفشى تلميذ السر فيتقرب بهذه (الزنبة/ الدبوس) إلى المُعلم, فيصبح من "بتوعه".. تبدأ الفكرة من الصغر ولا تزول من حياتنا.. ورغم أنه "لا تزر وازرة وزر أخرى" إلا أن التراث المتجذر فينا أقرب لاتباع "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"!!

يحدث هذا فى معسكرات الجيش والسجون و أى تجمع بشرى, ثم يتساءل الكاتب ألهذا يتفشى بيننا كراهية الناجحين لارتباطهم بعضهم بالزنب وإفشاء الأسرار والنجاح على حساب الآخرين؟!

يتتبع الكاتب مسيرة المماليك بعد قضاء "محمد على باشا" على رؤوسهم, متتبعا زوجاتهم و أبنائهم الذين حافظوا على مكانة العبيد الاجتماعية بتوغلهم فى مؤسسات المجتمع المصرى بما يملكونه من مهارات وأساليب الوصول والترقى! من الأمور المثيرة للدهشة أيضا نظرة الكاتب للأسماء التى تشير لأصول مملوكية حتى اليوم وأن أصحاب هذه الأسماء "الألقاب" هم بالفعل الأقدر وصولا للمناصب العامة!

فالإخوان المسلمون يرى الكاتب أنه كان تنظيما ناجحا لأنه بعد عن التشرذم المملوكى ولم يتشتت وينقسم إلا بعد أن طالته تلك العناصر المملوكية, فلقب مؤسس الجماعة حسن "البنا" يشير لمهنة الجد الأعلى "البناء" و هذا اللقب ليس من مهن العبيد البيض ولا من ألقابهم. ويشير المؤلف لشخصية "حسن الهضيبى" المرشد الثانى للإخوان وأن بداية التشرذم المملوكى وصل للجماعة مع مجيئه مع بعض ملاحظات عن صلته بالقصر الملكى وملحوظة مثيرة بتأمل اسم "الهضيبى" ذاته!

لا تتأمل اسم الهضيبى وحده, ولكن العشرى والميهى و الألفى, فالعشرى هو العبد الذى اشتراه سيده بعشرة دنانير والميهى ثمنه مائة دينار والألفى ألف ,أضف إليهم الشوربجى و دويدار و خازندار..إلخ

ويتتبع الكاتب ظهور الجماعات الإسلامية و تشرذمها بفعل روح التشتت المملوكية حتى قتلهم للرئيس السادات فى 81 فى أثناء احتفاله بنصره بنفس الطرق المملوكية التاريخية! حتى احتفال السادات بالنصر لم يكن يخلو فى 81 من مظاهر الأبهة الشخصية التى هى أقرب لاحتفالات العصور الوسطى "مجرد ملحوظة شخصية"!


الطرخانة والدقشرمة
عن طرق العيش وسبل الارتزاق التى مازالت سائدة إلى اليوم يطرق الكاتب بابا مؤلما للغاية. كان من المعتاد أن يهب السلطان المملوكى أراضى للمماليك كإقطاعيات لهم يعيشون من ريعها فى كبرهم مع بعض تلاميذهم "المماليك الصغار" وهذه الفكرة لها جذور أيضا بشكل مقارب فى منطقة القوقاز وهى مناطق كان يتم جلب المماليك منها صغارا..
هذه الأراضى الممنوحة للماليك تسمى "طرخانية" وصاحبها "طرخان", هذه الطرخانية بغياب صاحبها إما لانشغاله بالمؤامرات السياسية أو لأى سبب تتحول إلى مشاع يروج لفكرة "مال مالوش صاحب" وتنحصر الأرض بموت "الطرخان" أو إهماله لها بين ملكية الدولة والملكية العامة , وتبدأ فى الظهور فكرة وضع اليد, وسرقة أراضى الدولة وبيعها من مسئول وضيع لرأسمالى أكثر وضاعة!
لم يذكر الكاتب الفكرة الأخيرة ربما لعدم فضح هذه الظاهرة وقت كتابة مؤلفَه فى عام1995!
يتناول فى رشاقة فكرة الريع والسمسرة والبقشيش والسلب, ومدى انتشارها فى المجتمع المصرى حتى اليوم فى تعاملاتنا اليومية وبدون أن نتوقف عندها ولو قليلا, فى فصل هام للغاية. وكذلك يتحدث عن "الفردة" والضريبة والفارق بينهما, وخط السير المتبع لعملية البيع والشراء والعرض والطلب فى العالم كله وكيفية حدوث عملية مماثلة فى بلادنا, وستكتشف أن ما نمارسه ليس بيعا ولا شراء وإنما هى عملية تدمير نفسى وإنسانى متكاملة الأركان,لا تقل عن دخول الشخص معركة حربية!
التسعير وفقا للنفوذ, العيش على الريع وليس الإنتاج هو رغبة وسلوك كثير منا الآن, عملية التجويع وغياب سلع بعينها فى فترات معينة, حرق الأسعار, صراع التجار, الإتاوة "الضريبة الشعبية"..إلخ
وكذلك يشرح الكاتب عملية بيع الدولة لأراضى أو مساكن بأسعار مخفضة لمحدودى الدخل, وكيفية دخول التراث المملوكى فيها بكل ما أوتى من خبرة لإفساد التجربة وإفساد أى شأن عام وتحويله لتشرذمات فاسدة ومفسدة!
فى أثناء سيطرة الدولة العثمانية كانت تستحوذ من شرق أوروبا على أطفال صغار كضريبة دم تسمى "دقشرمة" يربونهم تربية عسكرية شاقة ثم يولونهم مناصب حكومية بعد نضجهم, هؤلاء الدقشرمة كان بينهم وبين المصريين بغضا طبيعيا نابع من طبيعة تكوينهم وسيرة حياتهمم, فهم أقرب إلى صورة "عسكر الهجانة" السودانيين الذين صورهم "يوسف شاهين" فى فيلم الأرض.
وكانت معاملة الدقشرمة للمصريين بالغة السوء من مواقع وظائفهم الحكومية وحفظ الأمن..ويؤرخ المؤلف لهم كبداية لخوف المصريين من التعامل مع أقسام الشرطة حتى اليوم, والتى من المفترض أنها لجلب الأمن ولكنها فى حقيقة الحال تجلب الخوف بمجرد ذكر اسمها!
فى ظل هذا الميراث ينقسم المجتمع لحكومة وأهالى, وهو ميراث لم تنقطع وشائجه بنا بعد!
ثم يتطرق الكاتب لعبارات الاعتراض والسباب التى لوث بها الدقشرمة المجتمع المصرى, فالدقشرمة غير معلوم النسب, حتى وإن أصبح مسلما بحكم تربيته, ولكنه بحكم عداوته الفطرية لمن يتحكم فيهم قانونا بصفته "الكرباج العثمانى البشرى" فهو يرى الأخرين متمعين بأنساب وحظوظ من التكوين الأسرى, وقد يقرأ فى عيونهم ما يجعله يشعر بفقدان النسب, فيبدأ بجبروت وظيفته نقل المعانى نفسها فى صورة سباب للأهالى متمثلا فى ألفاظ تتعلق بشرف الأم أو بذكر مواضع عفتها وأعضائها الجنسية, فى عبارة سباب شهيرة نتناقلها اليوم ناقصة غير مكتملة المعنى, وأعتقد أن هذه الإشارة تذكر المسبوب بمعنى ما مضمونه بأنه قد أتى من خلال فرج أمه بلا أب معلوم, والسباب مازال موجودا بنقصانه الغريب!
كان الراحل"نجيب محفوظ" بحكم نشأته فى القاهرة القديمة يؤكد مملوكية مصر وأنها الخيار المصرى السائد حتى اليوم فلا هى بفرعونية, ولا هى بإسلامية, ولم تكن سوى نظرة فيلسوف متأمل فى سلوكيات البشر من حوله و لكن الكتاب محل الذكر يؤصل للفكرة علمياً.
الدرويش "الولىّ الجديد"
ظهور شخصية الدرويش الذى تفتح له الأبواب كرامة و توغل هذه الشخصية فى كافة مناحى الحياة المصرية بما فيها أرقى المستويات السياسية وأرفعها كان من أبرز ما كشفه المؤلف, والمماليك حياتهم كانت عبارة عن صراعات وفتن يتوغلها بعض فترات الهدوء لذا فالفساد الأخلاقى والسياسى هو جزء من تركيبتها الأصيلة, وفى نهاية حياة المملوك وقرب دنو الأجل كان يتقرب إلى الله بشتى الطرق الظاهرة والسرية, فيتحول إلى درويش يجتذب رضوان الناس أكثر من رضوان الله, وهو ما كان يجلب له الحماية فى نهاية حياته, والدرويش لا يلتزم بشرائع فهو مرفوع عنه التكليف, مفتوحة له الأبواب..
المماليك هم أصحاب أضخم مساجد فى مصر وأفخمها فجميعها مبنية بالحجارة وليس الطوب الآجر, لهذا سبب اقتصادى وهو تحكمهم فى طرق التجارة وزيادة العوائد, ولكن الفخامة مرتبطة بالزلفى!
فى ذات الفصل يذكر الكاتب مدى الفساد الأخلاقى والجنسى فى حياة المماليك, وشخصية "الطواشى" وهو الخصى الذى كان مسموحا له بمرافقة النساء أو مراقبتهن بالأدق لمنع انحرافهن وإبلاغ سيده ببالمستجد, وكيف كان لهذا الطواشى حياته المثيرة رغم فقدانه للذكورة, ويتطرق لمدى تأثيره المتغلغل فى التكوين المملوكى الاجتماعى.
ينتقل الكاتب لشخصية الدرويش فى السياسة المصرية المعاصرة بشخصيتى حسن التهامى وأنور السادات ووجود أثر للدروشة فى مفاوضات "كامب ديفيد" وبعض الحكايات الموثقة الجديرة بالقراءة!
بعد قراءتك للكتاب ستعيد النظر فى تصرفات يومية كثيرة تمارسها منذ خروجك من منزلك صباحا وحتى عودتك إليه, وستتحول عينيك لمرصاد يلتقط السلوكيات ويضعها فى ميزان تاريخى, قد يكون الكتاب مجرد نظرية أو بحث أولى فى ميدان لم نعتاد طرقه, ولكنه فى كل حال كاشف لعوراتنا!
هذا إن لم تكن قد قرأته, أما فى حالة أن كنت قد قرأته فأعتذر لك عن كل هذا الضجيج!
وفى رأيى المتواضع أننا فى حاجة ملحة لتدريس هذا الكتاب لفترة قد تصل لربع قرن فى مرحلة التعليم الإعدادى لتبصير التلاميذ بحقيقة الواقع, ومحاولة لتجنب سوء الفعل الذى سيقعون فيه حتما إن أكملوا مسيرتهم فى الحياة, وهى المرحلة التى تشكل فاصلة بين فترة التربية النظرية والنشوء وفترة التطبيق ومواجهة الواقع الحياتى بكل تناقضاته مع أصول التربية والقيم, وهذا لإنقاذ هذه الأجيال مما وقعنا فيه, ولا أبالغ لو قلت بأن هذا الكتاب يجب أن يوضع بجوار الكتب المقدسة بالمنازل ليقرأه الجميع!
بعد قراءة الكتاب ورغم أن الكتاب لم ينقل تاريخ المماليك ولا هو موضوعه.. ثمة أسئلة ستفرض نفسها, ماذا عن انتصارات هؤلاء المماليك الحربية وتوسعاتهم؟ وهل لهذه التوسعات والانتصارات مردود ينعكس على الناس؟ بل ماذا عن عقيدتهم التى كانت بمثابة دعما مستمرا لوجودهم ولبقائهم فى مناصبهم؟ هل هو إيمان بحق أم هى غريزة البقاء تدفعهم للحرب خارجيا بالتوازى مع الصراع داخليا؟ وهل اقتسموا الحياة مع الشعب فأخذوا هم المتاع و بنوا للشعب أفخم المساجد الباهرة عن حق؟! هل هم تشربوا الدين الذى يعيشون فى كنفه أم أنهم ينتقمون من جالبيهم و مستعبديهم بصورة غير مباشرة؟! هل نحن أحرار بالأساس أم محتلين؟ ومن يحتلنا إذن؟ ولماذا يحن البعض لأيام الملكية بالتزامن مع الاحتلال البريطانى؟ وهل للاحتلال فوائد رغم مهانته وجبروته؟ لماذا منشآت الاحتلال البريطانى مازالت قائمة وكذلك منشأت المماليك الدينية, بينما المنشآت التى نبنيها الآن تنهار سريعا؟
والسؤال الأهم: لماذا قبل المصريون كل هذه المهازل و تأثروا بها ولم يقاوموها؟!!
وهو مايحتاج لبحوث أخرى للرد عليه ونحتاج لألف مخلص كـ (ع.ع) لكشف أسبابه, فحتى طريقة نشر الكتاب السرية أعتقد أن بها لمحة من أثر مملوكى!
.....................................................
* الصور للفنان المصرى "ياسر جعيصة" من موقع yassergaessa.com
* حمل كتاب "تراث العبيد فى حكم مصر المعاصرة" من هنا
1 د. حسن الباشا - الفنون الإسلامية والوظائف على الآثار العربية - دار النهضة العربية 1965م -ج1 - ص3 : ص24
2 ابن تغربردى- النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة - الهيئة العامة لقصور الثقافة 2008- ج7- ص102
3 ابن إياس - بدائع الزهور فى وقائع الدهور- الهيئة العامة لقصور الثقافة "سلسلة الذخائر"- ج1 القسم الأول ص374

الجمعة، 5 مارس، 2010

فى السقوط والصعود !

تستحق هى أن نتناولها.. فكثيرا ما منحتنا السند المعنوى فى الأوقات الصعبة - وللحق فكل أوقاتنا صعبة- بأن هذه الأرض لا تنضب ومازال بها نبض الحياة ورحيق الأمل... نلقاها يوميا لنلقى وجها حسنا وروحا مبشرة ومتابعة دءوب واطلاع رفيع وانتماء وطنى لا يفتر, وهم لنا تحمله معنا رغم انتمائها المؤكد لشريحة اجتماعية عليا لا ننتمى إليها فى معظمنا. فاعتبرها الكثيرون لسانهم الذى لا يخشى القطع ومنحوها ثقتهم رغم عدم متابعتهم اليومية للبرنامج!

هكذا عهدناها "منى الشاذلى", ولكن ما فات ليس هو سبب التناول والعرْض الآن فى توقيت يحمل عنوان" مصر والبرادعى وعلامة استفهام"!

سبق وأن ذكرت منى الشاذلى فى إطار الحديث عن أزمة مباراة الجزائر ووصفت أدائها بالمرتبك وأنها قامت بأسوأ أداء تليفزيونى لها بحسب ما رأيت منها حينها واعتبرتها مرتبكة بين "القومية الملتبسة ومتطلباتها" وبين المصريين الذين يستنجدون بها على الهواء من الجزائر يطلبون غوث الدولة المصرية من "الإجرام الجزائرى" فتصد حديثهم بتعاقل مستفز!

حينها كان التقدير السىء الذى يحمل اختيار صاحبه, قبلها وفى حلقة استضافت فيها "أحمد عز" أمين التنظيم بالحزب الوطنى وعضو لجنة السياسات بالحزب ومحتكر سوق الحديد بمصر فى وقت وصل فيه سعر طن الحديد لما يربو على الثمانية آلاف جنيه. وكانت حلقة"ضعف الأداء" فيها معها فيه العذر, فقد واجهت منى الشاذلى "عـز" بتحدى وحدة أحيانا ولكن خانها الإعداد للحلقة, فـعز يستطيع الحديث بلباقة و استطاع أن يضعها فى مصاف "غير الفاهم" لأن الحديث اقتصادى بحت وهو مالم تستطع منى الشاذلى مجاراته فيه, وما كان الإعداد للحلقة على القدر اللازم.. فيبدو أن منى الشاذلى توقعت أنها ستحاصر مجرما عتيداً استنادا لسمعته فى الشارع المصرى.. ولكن أين المستندات؟!

وبقى الحل فى المداخلات التليفونية التى قد يأتى من بينها من هو خبير بحديث الأرقام والسندات والحافظات بجانب الكثير من الكارهين لعز وهو احتمال نسبة حدوثه عالية, فمن بين أى عشرة مواطنين غالبا ستجد 9 يكرهونه والعاشر يتمنى قتله, مما يمثل سندا لها فى هذه الورطة ... وقد كانت الحلقة بحق مليئة بدعاء العاجزين على "عز" على الهواء مباشرة عبر المكالمات منها مكالمة ضابط جيش سابق اتهمه بأنه السبب فى عجزه عن تزويج ابنه الشاب, ثم اتصل اللواء فاروق المقرحى مساعد وزير الداخلية لمباحث الأموال العامة "السابق" وعضو مجلس الشعب "الحالى" ووضع أحمد عز فى مأزق بما يملكه من مستندات ومكذبا له فى بعض مما قاله,و قد صرح قبلا بأن والد أحمد عز قد اعتقل فى عهد زكى بدر وزير الداخلية الأسبق لإتجاره فى العملة , مما حفظ للحلقة توازنها وخرجت الأطراف متعادلة بمساعدة الآخرين!
فى هذه الحلقة كان لمنى الشاذلى الإرادة والحق وإن لم تمتلك الحجة والدلائل..أما فى متابعتها أزمة الجزائر فلم تملك أيا منهما!

منى الشاذلى تصعد بصفة أكبر من كونها إعلامية منذ انتقالها لدريم وربما يرجع إليها الفضل فى الانتقال بدريم من مرحلة "هالة شو" إلى مرحلة العرض السياسى.. وربما لولا تألق منى الشاذلى لتوقفت دريم أو كانت سقطت من حسابات المتابعة الجادة!
فرضت مصداقيتها حتى أصبحت تخاطب بلقب "أستاذة" من قِبل ضيوفها على اختلاف درجاتهم الثقافية والاجتماعية وذلك بدلا من لقب "مدام".. وللفظ دلالة لا تخطئها أذن ... حتى وضعها الشاعر "جمال بخيت" أحد الأصوات الصادقة فى مصر المعاصرة- ضمن رموز مصرية فى قصيدة مؤلمة له بعنوان "مدد" ..
هاتى المدد يا منى الشاذلى لا تخافى يوم ولا تتنازلى
وصورى مصنع غزلــــى ف الاعتصام العمالـــــــى

مكانة عالية طالتها ولا شك.. خاصة وإن وضعنا فى الاعتبار ورود اسمها فى القصيدة وسط أسماء كجمال عبد الناصر_ سكينة فؤاد_ محمد حسنين هيكل_ كامل زهيرى_ عبد الوهاب المسيرى_ جورج إسحق_ نهى الزينى!

وجاء البرادعى ....
لما سبق كان من الطبيعى أن يختص د/ محمد البرادعى الإعلامية "منى الشاذلى" و برنامجها "العاشرة مساءً" بالحوار المباشر الوحيد له حتى الآن بمصر بعد مجيئه الجماهيرى لمصر يوم 19فبراير 2010م, خاصة أن فارق المصداقية بينها وبين منافسيها كبير!
ظاهر الأمر يؤدى لأن "منى الشاذلى" ستكون"برادعوية" من طراز رفيع..المقدمات تدل على هذا والقواسم المشتركة متنوعة, واسم البرادعى كفيل بأن ينضم لرموز قصيدة الشاعر جمال بخيت..وترحيب زميلها فى قناة دريم2"أحمد المسلمانى" فى برنامج الطبعة الأولى بالبرادعى من فيينا يشير لنفس الاتجاه..

مر وقت من الحلقة المرتقبة و الظن فى محله ليس لأن "منى الشاذلى" لم تخيبه, ولكن لأنه لم يكن هناك توقع آخر يمكن أن يشغلنا عن متابعة البرادعى.. فالبرادعى يخطف الكاميرا والأعين مركزة عليه مترقبة أن يسخن الحوار بين لحظة وأخرى.. ولا يهم من يحاوره الآن.. وللحق الرجل يقول ما يريد دون أى تشنج ..حتى اقترب وقت الحلقة من نهايته و قد تاه منها الموقف وصدقت هى نفسها وجعلتنا نصدق معها أنها حيادية تماما بل تكاد تكون مذيعة فى محطة السى إن إن الأمريكية تشاهد مصر من خلف زجاج بناية ضخمة فى نيويورك.. تتفنن فى اصطناع الحيادية التى تقترب أحيانا من البلاهة ..خاصة فى ردها الهزيل على جملته "الناس تعبانين يا منى" فردت فى سرعة "وفى ناس تانيين مرتاحين"!!
محصلة الحلقة .. صورة الرئيس " الدكتور" تخيف من تعودوا على بسط العلاقات مع الجميع وإن انتموا ظاهريا للمطحونين, إلا أن التركيبة الاجتماعية الجديدة تفرض عليهم انتماءها الذى يصعب الفكاك منه!

حسن الظن مطلوب, لكن فى حالتنا تلك أعتقد أن منى الشاذلى أرسلت برسالة مفادها "لا أحتاج لحسن الظن"..
وصول الإنسان لمكان ومكانة ما عبر طريق وعـر وخطر يجعله دوما غير مستعد لفقدانه, وهى من سمات الحضارات المستقرة التى تعتز بالأرض, ولكن هناك ظرف من عدم الاستقرار بمصر يجعلنا نتوقع العصف بجميع من وصلوا لأى مكان أو مكانة.. حيث الوصول تم تحت عنوان "مع الشعب" وحينما تعتز بأنك قد وصلت وتتجاهل طريق الوصول فهذه هى بداية السقوط والانضمام لخانة المستقرين مع المنظومة.. وحينها فلا يهم التغيير, بل إن التغيير قد أصبح ضد مصالحك وإلا فأنت مهدد بهدم ما بنيته!

اتصال من "هويدا طه" معدة البرامج الوثائقية بقناة الجزيرة والتى لها قضية سابقة فى محكمة أمن الدولة لتصوير فيلم عن التعذيب فى أقسام الشرطة المصرية هاجمت فيه النظام المصرى والأوضاع التى نحياها, واهتمت بسؤالها عن مسار قضيتها وما وصلت إليه واتصال آخر من المخرج السينمائى "أحمد ماهر" انشغلت منى الشاذلى فى الرد عليهما بتوابع اتصالاتهم وما قد يلاقوه من ملاحقات أمنية فى نهاية كل اتصال بشكل يبدو مازحاً... وتعلم أن الرسالة ليست لهويدا أو لأحمد ماهر وإنما للمشاهدين و لجماهير مصر "تحذير بعين حمراء باسمة", فهؤلاء هم المشاهير وقد تطولهما يد الداخلية لمجرد التعاطف مع دعوة البرادعى فما بالنا بالمتفرج المتردد وهو بلا سند ولا ظهر ..
وباتباع حسن الظن أيضا قد نعتبرها سقطة منها ولكن من الصعب قبول تكرار السقطة مرتين فى حلقة هامة كتلك..

اجتهدت منى الشاذلى فى التشكيك فى أعداد المستقبلين للبرادعى بمحاولة عرض التقارير الصحفية التى ذكرت الأعداد بأرقام مختلفة وحاولت فى النهاية الظهور بحيادية من تعرض من بعيد على طريقة "أنا ماعرفشى هم اللى بيقولوا".

لم تستطع "منى" أو بالأدق لم ترد أن تبرز د. البرادعى بما يليق بـه وبدعوته الهامة لتغيير وضع مصر للأفضل, واعتمدت على إظهاره فى صورة الرجل المثير للتساؤلات- هل أنت غامض أم تعرف ماتريد أم صبور أم صامت لا تتحدث, ماذا فى ذهنك, ماذا وراء هدوءك؟- عينة من مخاطبة منى الشاذلى للدكتور البرادعى باعتباره شخصا لم يقل شيئا ومن لم يقل فليصمت للأبد, و هل سينتخب الشعب شخصا صامتا لا يتحدث ولا يقول ما لديه والأسوأ أنه قادم من "بره" لا أحد يعلم بما فى جعبة هذا الساحر الأوروبى الغامض الذى يقول أنه ليس هدفه الرئاسة لنفسه, هكذا صار البرادعى وكأنه لم يقل شيئا ولا يريد الحكم و قال مالا يفهم, وكأن لغته التى يتحدثها غير لغتنا العقيمة فاحتاج الأمر لمترجمة بارعة لكى تنقل لنا "لامعنى ولاشىء" فيبدو الرجل "خواجة" مثير للغثيان فى نظر نصف المتابع ونصف الواعى وما أكثرهم, وتزداد الصورة غيماً!!

نهاية الحلقة جعلت الفارق بين حوار د. البرادعى مع منى الشاذلى فى مصر و حواره فى فيينا مع عمرو أديب قبلها بأيام معدوماً..والفارق فقط فى جدية التقديم التى تتفوق فيها منى الشاذلى.. وهذه وحدها تعد إهانة لها..

قد يكون العنصر الحيادى للإعلامى من مهام مهنته ولكنه أيضا حياد محسوب وليس مطلقا..ولكن فى وسط حراك وغليان كالذى يجرى تحت السطح بمصر ومع قدوم شخص دكتور. محمد البرادعى تصبح الحيادية بشكل عام من المهازل والسقطات الكبرى, هذا بفرض أنه مجرد حياد, وليس نفور من وانجذاب إلى!!
استفادة البرادعى من الحوار جاءت من تاريخ البرنامج واسم المحاورة وما بنته سابقاً من مصداقية, وما استطاع هو بهدوء أن يبعث به للشعب المصرى.

لا أتهم "منى الشاذلى" بالانضمام لمعسكرالحكومة المصرية, وإنما بالحرص على مصالحها الشخصية وهى مساحة وسطى كفيلة بإفساد أطهر من بيننا وتجعله جزء من النظام يستفيد منه النظام بالتدريج دون أن يشعر..*

فليس لمنى الشاذلى أو لغيرها أن تتعامل مع المتلقى بطريقة من يرسل برسالة مشفرة أوبخطاب مستتر ولا علينا أن نقوم بتأويل المعنى بالتفسير الأكثر براءة, وليس لها أن تضعنا فى مصاف المؤولين لكلامها أو المتسائلين حول موقفها, فهذا يعد استخفافا بالمتلقى و إمساكاً بالعصا من المنتصف وتصنع دور الإله صاحب "النص" الذى يختلط على العباد تفسيره فيختلفون فيما بينهم.. وانتظارا للحظة الحسم لتعلن بعدها موقف بارد متذبذب من فوق قمة اجتماعية لا تريد لها زلزلة!
كنت أود أن أكون حسن الظن ولكن ليس الوقت ولا الوضع يسمحان بهذا..
وعليها إن أرادت بقاءً حيويا فاعلا اتباع نصيحة أبيات جمال بخيت "لا تخافى ولا يوم تتنازلى"..فلن تشفع لها رقة ملامحها وبراءة وجهها ولقب السندريلا فى تحسين الصورة الجديدة الباهتة التى تتلبسها بالتدريج الآن!
.................................................................................
الصورة بعدسة "أيمن جمال" من جروب "المصرى لما يصور" من موقع "Facebook.com".
*وجهة نظر للكاتب "وائل عبد الفتاح" بموقع " الأخبار" اللبنانية.